لم أنسَ أبدًا حكايات جدتي، وخصوصًا حكايات النهايات السعيدة. كان ينبض قلبي وتدمع عيناي عند نهايتها، فقد فاز الشاطر حسن بقلب ست الحسن والجمال. كانت تجيد الدراما في الحكايات؛ صعوبات، وأهوال، وخوف، وترقب، تنتهي جميعها مع نهاية الحكاية.
كاتب السيناريو والقصة يستطيع كتابة قصته هو الآخر كما يريد، وأن تنتهي بنهاية حزينة أو سعيدة، ولكن في المجمل لا بد أن يتخللها نوع من الدراما والتراجيديا والألم، مصحوبًا بأمل في الوصول إلى النهاية. الأبطال فيها شخصيات على الورق، تدب فيهم الروح من خلال الأحداث، فلا تستطيع أن تترك دفتي القصة بعد أن تعايشت مع أحداثها دون الوصول إلى لحظة النهاية.
الحياة هي مجرد قصة، ولكل منا قصته التي يعيش أحداثها. نحن من نجلب السعادة والشقاء لأنفسنا، نحن من نسير على الدرب الصحيح إن أردنا، نحن من نتجاهل كتاب التاريخ وما يحتويه من عبر وعظات، نحن من نريد أن نكتب قصتنا بأنفسنا ونسير دون خطة، نترك الأمور تسير على أهوائها، ونعيش الأحداث طبقًا لنزواتنا. لم نُعطِ لأنفسنا حق الاختيار، بل تركنا القدر والظروف يتحكمان فينا، فشاهدنا النهايات المؤلمة، نتداولها ولا نتعظ.
من السهل أن تحلم وتتمنى وتأمل، ولكن من الصعب أن تصل وأنت في حالة سكون. لا بد من الفعل ليكون هناك رد فعل، فالطالب لا بد أن يذاكر ويحصل دروسه بجد كي ينجح، والراغب في دخول كلية الطب عليه أن يلتحق بالقسم العلمي ويجتهد، ويدفع ضريبة من الوقت والجهد والسهر كي ينجح ويحقق حلمه.
من السهل كتابة الأحلام على الورق، ومن الصعب تحقيق الأحلام في الواقع دون خطة وتخطيط ودراسة وعمل وسنوات من الألم والمشقة.
من السهل أن تنتقد الظروف وتشكو المعاناة، ولو قرأت كتاب الحكايات الواقعية لعلمت أن الكثيرين خرجوا من تلك المعاناة، وغيروا واقعهم وحياتهم ومستقبلهم.
كل الأديان والشرائع تتحدث عن الأخلاق والمحبة والعمل والبر والخير، وتنبذ الشر والتكاسل والحقد والكراهية، وبين القوسين يقع الكثيرون في فخ المعصية، مع أن الأصل هو الخير، والباقي هو الود، والدائمة هي المحبة، لكن الشيطان يتلاعب بالعقول ويقود أصحابها إلى الهلاك، فتنشأ الجريمة ومعها الندم الذي لن يعيد ما حدث. والأغرب أن تدور الدوائر ويقع في الشرك نفسه إنسان آخر في دائرة الندم؛ لأنه لم يتعلم من الماضي ومن التاريخ.
أسير بجوار الأهرامات كل يوم في طريقي إلى العمل، وفي كل مرة أتعجب من أن إنسانًا مثلنا، في عصر غابر قديم وبعيد، بنى تلك الأعجوبة. ورغم أنني تسلقت الأهرامات مرات عديدة، يأبى عقلي أحيانًا أن يصدق أنها واقع، وأن أجدادنا تركوا لنا إرثًا وحضارة، ومعهما تاريخ طويل من الفخر. ثم يكون السؤال: ونحن، ماذا صنعنا لأحفادنا ولأنفسنا؟ الإجابة: لا شيء.
نجتمع لنرسم سيناريو تلو الآخر، ولا نستطيع كتابة النهاية السعيدة إلى تلك اللحظة.
مع أنه في كل مرة، ومع كل اجتماع ومنتدى ومؤتمر، يُكتب سيناريو رائع، وتُطرح فيه أفكار نستطيع أن نطوعها لتصير واقعًا، لنكتب بها نهايات رائعة، وما زلنا نحاور ونراوغ. يحاول كاتب السيناريو أن يعيد كتابة الأحداث كل مرة من جديد، ليرسم الشخصيات الثانوية والضيوف ومن على الهامش والمارة في الطرقات والصامتين والمبتسمين والمتشائمين، ليطيل في الأحداث ويكثر من الوقائع، وما زال الجمهور ينتظر النهاية.
كانت قصص جدتي قصيرة رغم كثرة أحداثها وقلة شخوصها، لكنها كانت في كل مرة تكتب النهاية السعيدة.
ما زلنا ننتظر النهاية رغم الفصول الكثيرة التي نعيشها، فما عُرض من القصة لا يعنينا. فما زلت أنا الشخص نفسه الذي يحلم، وما زال الحلم معلقًا في عقلي، رغم أنني عملت واجتهدت وصبرت وتحملت. فهل كل ما قرأت من حكايات التاريخ كان كذبًا، أم أن حكايات جدتي كان يجب أن تكون نهايتها سعيدة دائمًا؟