تتجه الأنظار بنظرة ملؤها القلق الاستراتيجي نحو النيل الأزرق، حيث لم تعد القصة مجرد سد واحد يثير الخلافات، بل تحول الأمر إلى مخطط لمنظومة سدود متكاملة تستهدف حبس مئات المليارات من الأمتار المكعبة وفرض قواعد تشغيل أحادية تشل شريان الحياة في دولتي المصب.
وبين تحذيرات من “تعطيش ممنهج” يخدم أجندات وإملاءات خفية لتقويض استقرار “قلعة الاستقرار” المصرية، وتخوفات هيدرولوجية نارية من ضرب أمن السودان المائي وتدمير منظومات الري والكهرباء لديه؛ يفتح هذا الملف الساخن باب التساؤلات الكبرى حول سيناريوهات الجفاف الممتد ومصير الأمن القومي العربي في مواجهة سياسة الأمر الواقع.
السدود الجديدة لها هدف خفي
أكد وزير الري والموارد المائية المصري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، في حديثه لـ”القصة”، أن التخطيط لسلسلة السدود الإثيوبية يعود جذرياً إلى ستينيات القرن الماضي عبر دراسات أممية وأوروبية أعيد إحياؤها، مشيراً إلى أن القدرة التخزينية المخططة لهذه المشروعات قد تصل إلى 150 أو 300 مليار متر مكعب، وهو ما يتيح لإثيوبيا حجز تصرفات النيل الأزرق لعدة سنوات متتالية (نحو 3 سنوات مستمرة)، بما يمثل خطورة حقيقية ومباشرة تتمثل في إمكانية قطع المياه عن مصر والسودان أو إحداث مجاعات وعجز شديد في الموارد المائية.
وأوضح نصر الدين علام أن خطورة هذه المشروعات لا تتوقف عند الإطار الفني، بل تمتد إلى الأبعاد الجيوسياسية الخفية مشيراً إلى أن الصراع في العمق يواجه سياسات أمنية وعسكرية واقتصادية أمريكية وإسرائيلية تهدف إلى تقويض استقرار الدولة المصرية باعتبارها “قلعة الاستقرار” ومنع انهيار المنطقة ككل، مضيفاً أن مصر واجهت سابقاً هذه التوجهات برفض تعزيز معاهدات السدود ومبادئ صول النيل، وقدمت رداً رسمياً حاسماً يوضح حجم الضرر الجسيم، مما دفع المجتمع الدولي في تلك الفترة إلى التراجع عن تمويل هذه السدود، واصفاً المحاولات الحالية بأنها مساع جديدة للبقاء وفرض الأمر الواقع.
تغيير نمط التدفقات المائية وسيناريوهات الجفاف والتشغيل الخاطئ
أوضح رئيس تحرير صحيفة “التيار” السودانية، عثمان ميرغني، في حديثه لـ”القصة”، أن إنشاء سلسلة من السدود والخزانات على النيل الأزرق سيؤدي إلى تغيير واضح في نمط إدارة التدفقات، إذ ينتقل النهر تدريجيًا من الاعتماد على التدفق الطبيعي الموسمي إلى تدفقات أكثر تنظيما بفعل سياسات تشغيل الخزانات، مضيفاً أن التأثير لا يرتبط بالضرورة بتغيير إجمالي كمية المياه السنوية، وإنما بدرجة أكبر بتوقيت إطلاق المياه وتوزيعها على مدار العام، ومؤكداً أن تعدد الخزانات يمنح قدرة أكبر على تنظيم التدفقات، لكنه لا يعني امتلاك قدرة مطلقة للتحكم في الكميات التي تظل رهناً بالأمطار والتدفقات الطبيعية.
وأكد عثمان ميرغني أن سد الروصيرص سيكون من أكثر المنشآت السودانية تأثرا بأي تغيير في نمط التدفقات القادمة من إثيوبيا باعتباره أول سد سوداني رئيسي على النيل الأزرق، مبيناً أن انتظام التدفقات قد يحمل فوائد في تقليل ذروة الفيضانات وتحسين التدفقات في فترات الجفاف، إلا أن التشغيل غير المنسق قد يفرض تحديات بالغة على إدارة الخزان والري وتوليد الكهرباء.
وأضاف ميرغني، أن سنوات الجفاف تمثل السيناريو الأكثر حساسية، خصوصًا في غياب آلية ملزمة لتبادل بيانات التشغيل؛ موضحاً أن الخطر لا يكمن فقط في انخفاض كمية المياه، وإنما في عدم القدرة على معرفة توقيت وحجم التدفقات القادمة، وهو ما يصعب إدارة السدود وشبكات الري في السودان ومصر، ومبينًا أن النماذج الهيدرولوجية تثبت أن توقيت وصول المياه قد يكون في بعض الحالات أكثر أهمية من الكمية نفسها.
واختتم عثمان ميرغني لـ”القصة” مؤكداً أن اختزال السدود الجديدة في كونها مشروعات لتوليد الكهرباء فقط يمثل قراءة غير مكتملة؛ فالسد لا ينتج الكهرباء فحسب، وإنما يخزن المياه وينظم توقيت إطلاقها، مما يعني أن تحول النيل الأزرق إلى منظومة من الخزانات المتتابعة سيغير عملياً طريقة إدارة التدفقات، لتصبح قواعد التشغيل والتنسيق وتبادل البيانات جزءًا أساسياً وخطيرًا من الأمن المائي في مصر والسودان.