صدرت طبعة ثانية من رواية “ملحمة المطاريد” للكاتب عمار علي حسن، في ثلاثة أجزاء، متخذة من ريف مصر العامر بالحكايات مكانها، فيما يمتد زمانها خمسة قرون، تحديدًا منذ أوائل القرن الخامس عشر الميلادي وحتى عام 1919، وفكرتها الأساسية هي الصراع على الأرض والمكانة بين البشر، وحلم العودة الذي يسكن رؤوس وقلوب ونفوس عائلة أجبرت على ترك قرية أسستها، وساحت في البلاد، دون أن ينسى الأحفاد وصية الأجداد التي تطالبهم باستعادة ما كان لهم من أرض وجاه وصيت.
تنقسم الملحمة الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة إلى ثلاثة عشر فصلًا، كل منها يحمل جزءًا، أو حكاية ضافية متصلة من مسيرة عائلتين متصارعتين في قرية متخيلة تقع في صعيد مصر، ومنها يمتد تنقل أفراد العائلتين في رحلة مطاردة قاسية من المنيا شمالًا وحتى أرمنت جنوبًا، وبين جبال هضة البحر الأحمر والصحراء الغربية الموازية لهذه المساحة في الوادي االخصيب، ثم إلى القاهرة حين ينتقل بعض الأبناء للدراسة في الأزهر، وآخرون للهروب من العار، أو لبيع المحاصيل وشراء العبيد من سوق الجلابة.
ويقول عمار عن هذه الثلاثية التي تقع في تسعمائة صفحة من القطع المتوسطـ، إن البسطاء هم الذين حملوا مصر على أكتافهم عبر التاريخ، ودافعوا عنها، وتحملوا من أجلها عسفًا طويلًا، قاوموه على قدر الاستطاعة، لكنهم لم يدعوه يأكل بلادهم حتى نخاعها، إنما أعادوا بنائها من جديد كلما سنحت لهم الفرصة.
تحفل الرواية بشخصيات متنوعة بين العمد والمشايخ والخفر والمزارعين والصيادين والمراكبية والنجارين والحدادين والعبيد والخدم والخادمات والتجار والباعة الجائلين والبائعات، ومعهم الأٍسواق والوكالات التجارية والقيساريات، ويوجد اللصوص والنصابون والغواني والسكاري والمساطيل والعسس والشعراء الشعبيون من رواة السير، وعمال المناجم من مصر والسودان وإثيوبيا، والجند الذين يفعلون ما يؤمرون، ومنهم أهل الوادي من سكان الريف والحضر وبدوالصحاري، وهناك أهل البلد والأجانب من العثمانيين أو الحبش أو الشركس والروس وغيرهم، وتنتمي الشخصيات بالتناسب إلى الأديان الثلاثة في مصر خلال زمن الملحمة وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، ولذا طالما نجد الشيوخ والقساوسة والأحبار، ومعهم المساجد والكنائس والمعابد، إلى جانب الزاوية المنفتحة على الكل.
في الملحمة تظهر عصابات الجبل، التي كانت تسمى “الفلاتية”، في مصر حتى ستينيات القرن العشرين فسميت “المطاريد”، على أن لها دور مهم طوال السرد، إذ أن الجبل كان دومًا ملاذًا للهاربين من “الصوابر” بحثًا عن حماية أو مال، وكان رجاله سندًا لـ “الجوابر”الذين استخدموا رجال العصابات في تحقيق بعض أغراضهم، لكن مفهوم “المطاريد” هنا يتجاوز هؤلاء، فهو يشمل الصوابر في غربتهم وتشردهم وتشتتهم عبر القرون، ويضم أيضًا الأجراء الذين تطارهم الحياة، وترميهم على هامشها عبر التاريخ، يعانون من الجوع والجهل والمرض، وفيها حرافيش القاهرة الذين يطاردهم غشم فتوات ظلمة، والمطاردون أيضًا علماء دين من نسل “الصوابر” كان يطرحون آراء مغايرة للسائد والمكرور فتم طردهم إلى خارج الأزهر. وهم بعض الخدم والعبيد الذين يرميهم الدهر بعيدًا إن مات مخدوميهم وأسيادهم، وهم في كل الأحوال أولاد البلد الذين يحرمهم الغريب من خيراتها,
إن الملحمة هي تطور، من دم ولحم، للمجتمع الريفي والمديني المصري عبر خمسة قرون، نرى معها كيف أخذ التحديث يضرب وجه الحياة، فانتقل الناس من الكتاتيب إلى المدراس، ومن الالتزام إلى التملك، ومن السفر عبر المراكب النيلية إلى ركوب القطار، ومن بيوت الطين التي يأكلها الفيضان في ثوان معدودات إلى بيوت من حجر قادرة على الصد.
تتشرب الملحمة الروح المصرية، عبر ستة عشر جيلًا، وتستفيد مما جرى على الأرض، وتتابع مع الزمن من رؤى وتدابير، وتنفخ فيه من الخيال الكثير، لتجمع بين المعرفة بالريف المصري في قرونه البعيدة، والمتعة التي صاحبت رحلة عائلة مسكونة بوعد قديم، وتجلت في اللغة العذبة التي تلامس الشعر أحيانًا، وتناسب ما يجب أن تتهيأ له الملاحم الإنسانية، وكذلك في السرد المتدفق، الذي يجعل القارئ، ورغم طول الحكاية، يلهث خلفها.
يشار إلى أن “محلمة المطاريد” هي الرواية الرابعة عشر لعمار علي حسن، إلى جانب ثماني مجموعات قصصية، ومسرحية، وديوان شعر، وسيرة ذاتية سردية، ومتتاليتين قصصيتين، وثلاثة كتب سردية عابرة للأنواع، وقصة للأطفال، وستة وعشرين كتابًا في الثقافة والاجتماع السياسي والتصوف، وتُعد حول أعماله الأدبية عشرون رسالة ماجستير ودكتوراه داخل مصر وخارجها، وكتبت عنها دراسات ومقالات نقدية عديدة، وترجمت بعض كتاباته إلى لغات عدة، وحصلت على جوائز.