في صباح أول أيام عيد الأضحى المبارك، بعد أداء صلاة العيد جلست هناء تتأمل الأجواء في محاولة لمواساة نفسها لانقطاع عادة كل عيد، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وضعف مرتبها هي وزوجها أمام موجة الغلاء التي رفعت أسعار جميع الخدمات والسلع الأساسية.
غلاء السفر يحرم المغتربين من لمة العائلة
تقول هناء في حديثها لـ “القصة”: “كنا كل عيد أضحى بنروح عند ماما في سوهاج عشان نضحي معاهم، بس العيد ده الوضع اختلف معانا عيال في مدارس مصروفاتهم كترت وأنا عايزة أكسيهم حلو، والمرتب بيكفينا بالعافية وأحيانا مش بيسد والله، كل حاجة غالية تذكرة القطار لوحدها بقت بـ 200 جنيه، فللأسف مش هنروح هنرن نعيد عليهم فقط”
تتابع هناء أن سبب تركهم لسوهاج هو أوضاع عملها وزوجها، حيث كانت تعمل كمعلمة في سوهاج ولكن بمرتب زهيد جدا، وبعد حصول زوجها على الموافقة لينتقل للعمل في فرع الشركة الموجود في القاهرة، وجدتها فرصة لتلتحق هي الأخرى بمدرسة بمرتب أعلى في محاولة لتحسين وضعهم الاجتماعي، وتضيف: “الغلاء وصل لكل حاجة حتى التسالي التراثية الحمص والترمس يعني، ارتفعت أسعارهم وبقى صعب أشتري كمية كبيرة منهم زي الأول، بقيت بجيب كمية أقل أقدمها للضيوف والباقي نبقى ندوقه”
غياب الأضحية يكسر بهجة البيوت المصرية
لا يختلف المشهد كثيرًا من منزل إلى آخر ومن رواية إلى أخرى، ففي منزل آلاء، صنع هذا العيد الأسوأ على الإطلاق، بعد حزن والدها الشديد على ترك خير العادات في عيد الأضحى المبارك وهي الأضحية.
تقول آلاء: “عيد الأضحى ده أسوأ عيد أضحى عدى عليا، كنت حاسة بموت وأنا شايفه الحزن في عيون بابا عشان مش هيقدر يضحي زي كل سنة بسبب ارتفاع أسعار الأضاحي، وللأسف محدش من أعمامي قبل يشترك معاه وهو بسبب ارتفاع الأسعار كل حاجة الفلوس قصرت معاه قوي”
تتابع أن العائلة كلها تشعر كأن العيد ليس له طعم، حيث كانت تتجمع هي وأخواتها عقب صلاة العيد للمشاركة في الأضحية، ثم يتناولون الإفطار معا، ولكن هذا العيد حرموا من تلك العادة ذات الثواب والبهجة العظيمة.
ارتفاع أسعار كروت الشحن يعمق عناء الغربة
وفي منزل آخر لا يختلف المشهد كثيرًا، فجميعهم ضحايا لوضع اقتصادي فرض عليهم، حيث تقول أم علي في حديثها لـ “القصة”: “أنا ابني مسافر الإمارات بيشتغل، عشان هنا المرتبات ضعيفة جدا وهو عايز يتجوز ويستقر، كنا كل عيد نجيب كروت شحن دولي ونكلمه ونحسسه بطعم العيد، بس بعد ما أسعار الكروت غليت مبقناش عارفين نكلمه زي الأول، يدوب رنيت عليه مرة واحدة أطمن عليه وخلاص”
تتابع أن ابنها أرسل لها رسالة يشير فيها أن لا طعم للعيد بعد انقطاع عادة كل سنة، موضحا أنه لا يشعر بالعيد دون مكالمات الفيديو له التي كانت تهون عناء الغربة عليه وتشعره بدفء الأسرة.
حرمان الأطفال من الملابس الجديدة والبهجة التقليدية
وفي رواية أخرى الاختلاف فيها ليس كبيرا بينها وبين من سبقاها، منى أم لثلاثة أطفال أكبرهم في الصف الثالث الابتدائي، وكعادة كل المصريين التي أصيبت بالتراجع نتيجة ارتفاع الأسعار، لم تقدر منى على شراء ملابس العيد لأطفالها.
تقول منى في حديثها لـ “القصة”: “كل عيد كنا بنشتري طقم كامل لكل طفل وكنت بجيب أنا وأبوهم كمان، العيد ده جبت لكل طفل تيشرت على بنطلون من اللي عنده، محبتش أجيب للصغير وأكسر فرحة الكبير بالعيد، حاولت أفرحهم حبة، كل حاجة بقت غالية الواحد مبقاش عارف يعيش الحمد لله”
تتابع منى أن أقل سعر سجله طقم كامل تجاوز 1200 جنيه، ومرتب زوجها في الشهر الواحد لا يتجاوز 8000 جنيه، مع ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية، أضحى من الصعب المواصلة في تلك العادة الراسخة من سنوات عند المصريين، كمظهر من مظاهر الاحتفال بالأعياد.
غياب اللحوم والرقاق عن مواائد الأسر البسيطة
وفي مشهد لا يختلف كثيرا عما سبقه، تقف أمل تحاول أن لا تنهار من شدة الحزن، فلم تتمكن من شراء اللحم ولا شرائح الرقاق لأطفالها، فبعد ارتفاع أسعار جميع السلع بما فيهم اللحوم، أضحى من الصعب على المواطن البسيط شراء اللحوم.
تقول أمل في حديثها لـ “القصة”: “أسعار كل حاجة ارتفعت، اللحمة بقالها شهور مدخلتش بيتنا، حتى في العيد مش هنعرف ندخلها البيت، من زمان الرقاق ده حاجة أساسية في العيد الكبير، دلوقتي بقى صعب نعمله بسبب أسعار اللحمة، كل حاجة اتغيرت حتى العيد مبقاش زي الأول”
تتابع أنها في الماضي كانت تتمكن من شراء كل ما يلزم منزلها قبل حلول العيد، أما الآن فالعيد يأتي وهي لم تشتر سوى أقل القليل، مضيفة: “كنت زمان بجيب للأولاد شوكولاتة وبونبوني وحاجات حلوة للعيد، دلوقتي ولا بدخلها البيت”
تحولات اجتماعية قسرية تلتهم طقوس الاستهلاك في العيد
الأزمات وارتفاع الأسعار أحدثت تغيرات اجتماعية وسلوكية، وأثرت على العلاقات الأسرية والاجتماعية واضطرت الناس للتكيف، بالتوقف عن الكثير من العادات الاجتماعية في الأعياد، هكذا بدأ الدكتور إلهامي الميرغني حديثه لـ “القصة”.
ويتابع أن توزيع العيديات على الأطفال وتبادل الزيارات العائلية قد تراجعت، كما توقف الكثيرون عن شراء ملابس جديدة للأطفال، وتوقف العديد من سكان الصعيد عن السفر في الأعياد بسبب ارتفاع تكلُفة المواصلات العامة والخاصة، بحيث أصبحت عبئا على الأسرة إضافة إلى ارتفاع أسعار الأضاحي وتوقف كثير من الأسر عن الأضاحي، ويوضح الخبير الاقتصادي أنه بذلك حرم قطاع من الفقراء من اللحوم التي كانوا يحصلون عليها في الأعياد، كما تراجعت كميات اللحوم المشتراة في عيد الأضحى، بالإضافة إلى أن بعضا من الناس يلجأون إلى شراء الملابس بالتقسيط، مشيرا إلى أن الظروف الاقتصادية الشاقة قضت على فرحة العيد والراحات وتزيد الضغوط والإنهاك والتوترات.
الفروق الطبقية الحادة وتآكل المتنزهات العامة
ويضيف الميرغني أنه توجد فروق بحسب الطبقات الاجتماعية، ويوجد فرق بين سكان مصر وسكان إيجيبت، بين من يقضون العيد في الساحل الشمالي ومن يقضون العيد في المنتجعات الساحلية، ومن لا يستطيعون مغادرة منازلهم ولا حتى الخروج إلى شاطئ النيل والحدائق العامة، التي تتآكل مساحتها عاما بعد الآخر، ويختتم حديثه بالتأكيد على أن ما نشهده اليوم هو تحول مرتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا نعرف إذا كان من الممكن استعادته بعد انتهاء الأزمة، أم يستمر التغير في العادات الاجتماعية، كما أن تحول شكل العيد يعكس تحولات أعمق في العلاقات الاجتماعية، وليس مجرد تغير في أنماط الاستهلاك نتيجة ظروف المعيشة.
مرونة مجتمعية واعتماد على التقسيط لمواجهة التضخم
ومن جانبه يقول الدكتور سعيد صادق، خبير علم الاجتماع، في حديثه لـ “القصة” إن الأوضاع الاقتصادية أثرت بشكل كبير على شراء ملابس العيد والرجوع للتفصيل، وتقليل العيدية وتراجع شراء الأضحية والسفر في الأعياد، ويتابع أن الاحتفال لم يختف، لكنه أصبح أبسط وأقل تكلفة، حيث أن المصريين يحافظون على الروح الاجتماعية والدينية مثل الصلاة والزيارات والابتسامة، لكن الفخامة التقليدية تراجعت.
ويشير صادق إلى أن كثيرين يركزون على الفرحة البسيطة رغم الظروف، وهذا يعكس مرونة وصمود المجتمع المصري، طبعا مع ارتفاع مستوى الفقر وتكلفة السفر في الإجازات أصبح الاحتفال بالأعياد مختلفا عن الماضي، ويؤكد على أن ارتفاع ثمن البنزين جعل زيارة الأقارب أو المقابر ليس سهلا، وأيضا شراء الملابس الجديدة والأضحية التي أصبحت الآن بالتقسيط، ويختتم حديثه بالتأكيد على أن العيدية قلت كما في رمضان قلت العزومات وموائد الرحمن، فالأعياد تتأثر بالوضع الاقتصادي بشكل كبير كما حدث في مصر الآن.
- وفي هذه الأثناء تتقلص أصوات الفرحة وتتغير المظاهر، وسط تساؤل مستمر عن المدى الذي سيظل فيه الوضع الاقتصادي عبئا يفسد المظاهر الجميلة.