مساء أمس حمل خبرًا غير عادي.
القبض على صبري نخنوخ.
عاد الرجل إلى صدارة المشهد، وعادت معه قصة طويلة من الجدل والاتهامات والحكايات التي نسجها الواقع أحيانًا، ونسجتها المخيلة الشعبية أحيانًا أخرى.
ما جرى لا يتعلق بالرجل وحده.
بل بالمعنى الذي حمله اسمه في الوعي المصري على مدار سنوات طويلة.
كان الخبر مدويًا في كل الأحوال.
خبر السقوط لم يكن هو الملفت فقط.
بل سعادة المصريين التي بدت واضحة على شبكات التواصل الاجتماعي.
تلك السعادة لها ما يبررها بكل تأكيد.
فالرجل بكل قصصه وحكاياته ظل حاضرًا في الذاكرة العامة منذ عقود.
المؤكد، في تقديري، أن هناك 3 أسباب دعت المصريين للفرح في سقوط زعيم عالم “النخنخة” في قبضة القانون.
السبب الأول أن نخنوخ تحول بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين إلى رمز لفكرة “البلطجة المنظمة”.
رجل ارتسمت حوله هالة من النفوذ غير المفهوم وغير المبرر، وسواء كانت كل الروايات المتداولة عنه دقيقة أو مبالغًا فيها، فقد تشكلت صورته كرجل قادر على تجاوز الحدود التي تقف أمام الآخرين، والوصول إلى مناطق من الشهرة لا يصل إليها سواه.
ومع الوقت لم يعد مجرد شخص، بل صار رمزًا لفكرة كاملة.
وعندما يتعثر رمز الفكرة التي لا يتقبلها الناس فإنهم يشعرون بأن جزءًا من تلك الهيبة غير المبررة قد تصدع.
تعطش الناس للعدالة يبدو هو السبب الثاني.
فقصة نخنوخ كانت دائمًا تثير سؤالًا أكبر من صاحبها: كيف يصعد بعض الأشخاص من الهامش إلى قلب النفوذ؟ وكيف تتشابك القوة والمال والعلاقات لصناعة شخصيات استثنائية تعيش خارج المألوف؟
ولهذا ارتبط اسمه في أذهان كثيرين بفكرة السلطة غير المرئية التي تتحرك بعيدًا عن المؤسسات.
وعندما يعود مجددًا إلى أروقة التحقيق أو القضاء، يشعر البعض بأن ميزان العدالة لم يتوقف عن الحركة، وأن دولة القانون ممكنة.
أما السبب الثالث فربما يكون هو الأعمق.
فاسم نخنوخ لا يستدعي شخصًا فقط، بل يستدعي زمنًا كاملًا.
يستدعي سنوات ما قبل ثورة يناير، والقصص التي رويت عن النفوذ والعلاقات والانتخابات والصراعات التي دارت في الظل.
ولهذا فإن ظهوره المتكرر في عناوين الأخبار وهو يقف أمام جهات التحقيق يعيد فتح ملفات الذاكرة أكثر مما يعيد فتح ملفاته الشخصية.
لهذا لم تكن ردود الفعل على الواقعة الأخيرة مرتبطة بتفاصيل مشاجرته داخل معرض سيارات، بقدر ما كانت مرتبطة بما يمثله الرجل في المخيلة العامة للمصريين.
فالناس لا يتوقفون طويلًا أمام سقوط شخص عادي، لكنهم يتأملون دائمًا سقوط الرموز، خصوصًا تلك التي ارتبطت في أذهانهم بالخوف أو النفوذ أو الغموض.
كلما عاد اسم صبري نخنوخ إلى الأخبار، يعود معه سؤال لم يجد المصريون له إجابة حاسمة حتى الآن: هل يسقط الرجل وحده، أم تسقط معه صورة كاملة ظلت عالقة في الذاكرة المصرية لسنوات طويلة وتنتهي القصة للأبد؟
القانون هنا هو من سيجيب عن السؤال.