أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن تراجع مديونية الشركاء الأجانب بنسبة 90%، لتهبط من 6.1 مليارات دولار إلى نحو 440 مليون دولار، وهذا الإنجاز الرقمي الذي يعكس استعادة الثقة في قطاع الطاقة اصطدم بواقع مرير في الشارع المصري مفجرًا تساؤلات مشروعة حول أسباب عدم انعكاس هذا التعافي على أسعار السلع والخدمات، ولماذا يستمر المواطن في دفع ضريبة الغلاء دون أن يلمس أي انخفاض في أسعار البنزين والسولار والكهرباء أو أسطوانات البوتاجاز.
أصوات منسية تحت مقصلة الغلاء
في نهار الأول من يونيو 2026 بمدينة الحوامدية، لم تشفع الأخبار الاقتصادية الإيجابية لعم هاني الذي أسند ظهره إلى الكرسي ممسكًا برأسه بعد صدمته من فاتورة كهرباء بلغت 2000 جنيه، ويقول لـ “القصة”: “حرام والله هذا المبلغ للكهرباء فقط بخلاف المياه والغاز حتى المحل الصغير الذي فتحته قبل عامين ليساعدني في نفقات المعيشة أصبح عبئًا إضافيًا بعد تضاعف أسعار البضائع بنحو 6.9% وأفكر جديًا في إغلاقه”، والضيق ذاته يمتد إلى كرداسة حيث يقف أحمد البالغ من العمر 24 عامًا أمام عربة المشروبات التي أسسها لتكون انطلاقته العملية، وبصوت يكسوه الإحباط يؤكد أن تكلفة المواد الخام من بن ونسكافيه تزامنًا مع قفزات أسعار البنزين جعلت مشروعه خاسرًا، وقال لـ “القصة”: “أحيانًا أصرف على المشروع من جيبي الشخصي ونسمع عبر الإعلام عن تراجع المديونيات وتحسن المؤشرات لكننا كشباب في بداية طريقنا لا نرى إلا الأسعار التي تتصاعد يوميًا وكأن المواطن هو وحده من يدفع فاتورة الإصلاح”، وفي أقصى الجنوب بأسوان تتكرر المأساة بلسان عم مصطفى تاجر الخضروات الذي يضرب كفًا بكف بعد محاسبة سائق النقل مبينًا أن أسعار الأسمدة مرتفعة والبنزين رفع تكلفة الشحن بشكل جنوني، ويرى مصطفى أن الوضع يزداد سوءًا متسائلًا عن جدوى الحديث عن الإصلاح الاقتصادي بينما المواطن ينحدر من سيئ لأسوأ.
لغة الأرقام المدمجة وقفزات أسعار الطاقة
وفقًا لبيانات وزارة البترول ولجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، تعرضت جيوب المواطنين لضربات متتالية من عام 2024 وحتى مارس 2026، فقد ارتفع بنزين 80 من 13.75 جنيهًا في عام 2024 إلى 15.25 جنيهًا في أبريل 2025 ثم قفز ليسجل 20.75 جنيهًا للتر في مارس 2026، وصعد بنزين 92 من 15.25 جنيهًا إلى 17.25 جنيهًا حتى استقر عند 22.25 جنيهًا للتر في 2026، وقفز بنزين 95 من 17 جنيهًا إلى 19 جنيهًا ليبلغ 24 جنيهًا للتر الواحد، وزاد السولار والكيروسين من 13.5 جنيهًا ليصل إلى 20.50 جنيهًا للتر، ولم تسلم أسطوانات البوتاجاز من الموجة فارتفعت الأسطوانة المنزلية من 150 جنيهًا إلى ما بين 275 و 300 جنيه، أما التجارية فقفزت من 300 جنيه إلى 550 جنيهًا بحلول مارس 2026، وتلك الزيادات أشعلت نيران التضخم الذي ارتفع إلى 14.9% بحلول أبريل 2026 بحسب التعبئة والإحصاء، وتجاوزت زيادات الكهرباء حاجز 50% مقارنة بعامي 2024 و 2025، كما انعكست الأسعار فورًا على المواصلات والخدمات المرتبطة فزادت تعريفة الميكروباصات بنحو 10 إلى 15% وتذاكر المترو بنحو 10 إلى 20% وتكلفة النقل الثقيل والشحن بنحو 20%.
روشتة الخبراء للإنتاج والتصنيع
ويشرح الدكتور عمرو صالح أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق هذه المفارقة قائلًا لـ “القصة”: “تراجع المديونية يعود لاكتشافات جديدة وتدفق استثمارات أجنبية لكن الأسعار ترتبط بحجم إنتاجك المحلي وفاتورة استيرادك فما دمنا نستورد بكثافة ستنعكس الأسعار العالمية مباشرة على الداخل”، ويشدد على أن الرفاهية في دول كالصين وأمريكا نابعة من كونها قوى إنتاجية ضخمة تملك مصانع وماكينات توفر منتجات محلية بأسعار في المتناول، ويتفق معه الدكتور ثروت راغب أستاذ هندسة البترول والطاقة قائلًا لـ “القصة”: “لجنة تسعير المنتجات البترولية تخضع للمتغيرات العالمية فأأي ارتفاع في أسعار النفط عالميًا أو سعر الصرف يترجم فورًا لزيادة في الداخل”، ويشير الخبراء إلى أن تحسن أوضاع المواطن لن يتحقق إلا بزيادة الإنتاج وعقد شراكات إقليمية جديدة تضمن الاكتفاء الذاتي من الغاز لإنهاء أزمة انقطاع الكهرباء وتوسيع قاعدة الصناعات البتروكيماوية، بالتوازي مع ذلك يحتاج المواطن إلى تطوير مهاراته الثقافية والمهنية لمواكبة سوق العمل المتطور واقتناص فرص في كيانات كبرى قادرة على توفير دخول تضمن له حياة كريمة تتصدى لأمواج الغلاء.