قبل أن يبدأ يومه، يحسب نبيل عبد الحليم ـ موظف، راتبه على قائمة من الالتزامات لا تسمح بأي خطأ، سبعة آلاف جنيه يحصل عليها شهريًا، يوزعها بين المواصلات والدروس والطعام والشراب ومستلزمات أسرته، حتى يصل إلى نهاية الشهر دون أن يتبقى في يده ما يدخره للمستقبل، لا يخشى نبيل ارتفاع الأسعار فقط، بل يخشى أيضًا أي ظرف طارئ، لأن المرض أو تعطل أحد الأجهزة المنزلية قد يدفعانه إلى الاستدانة.
ومع ذلك، لا ينكر الرجل ما أحدثته الطرق الجديدة من فارق في حياته اليومية، بعدما اختصرت بعض المسافات ووفرت عليه وقتًا وتكاليف، لكنه يرى أن تحسن الطريق لم يغير حقيقة أن راتبه بالكاد يكفي احتياجاته الأساسية.
ماذا أنجزت الدولة وماذا بقى معلقا ؟
بين هذين الوجهين تتشكل معادلة التنمية التي تواجه الحكومة المصرية، بالتزامن مع الاستعدادات لعقد مؤتمر لاستعراض إنجازات الحكومة، بناءً على طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفتح النقاش حول أولويات المرحلة المقبلة.
فالسؤال لم يعد فقط ماذا أنجزت الدولة، وإنما أيضًا: إلى أي مدى انعكست هذه الإنجازات على حياة المواطنين؟ ولماذا يشعر بعضهم بأن تحسن البنية الأساسية لا يصاحبه تحسن مماثل في القدرة على المعيشة وجودة الخدمات؟
يقدم الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، قراءة لهذه الفجوة، مؤكدًا أن تقييم الأداء الحكومي يحتاج إلى الربط بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي، بدلًا من الاكتفاء بحجم الاستثمارات أو عدد المشروعات المنفذة.
ويشير الشافعي إلى أن الاقتصاد المصري سجل نموًا بلغ نحو 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، بينما اقترب التضخم السنوي في المدن، وفق الأرقام التي أوردها، من 13.9% إلى 14.2%، ويرى أن تحسن معدلات النمو لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في القوة الشرائية، ما دامت تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والتعليم والصحة تضغط على ميزانية الأسرة.
فانخفاض التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس بالضرورة أنها عادت إلى مستوياتها السابقة أو أصبحت في متناول الجميع، ومع تراكم الزيادات السعرية خلال السنوات الماضية، قد يجد المواطن نفسه أمام تكلفة معيشة مرتفعة حتى مع تراجع معدل التضخم.
الحد الأدنى للأجور هل يكفى لحياة آمنه ؟
وهنا تظهر مشكلة الأجور؛ فحين تتحرك الدخول ببطء مقارنة بالزيادات المتراكمة في الأسعار، يتراجع ما يستطيع الراتب شراءه، حتى لو لم ينخفض رقمه الاسمي.
ويحصل نبيل على راتب يعادل الحد الأدنى المعلن لأجور العاملين بالقطاع الخاص، والبالغ 7 آلاف جنيه منذ مارس 2025، لكن حالته تطرح سؤالًا يتجاوز قيمة الحد الأدنى: هل يكفي الدخل لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، أم أن بلوغ الحد المقرر لا يضمن بالضرورة مستوى معيشة آمنًا؟
إنجاز .. ولكن على الورق فقط .
وفي قرية علاء إبراهيم، تبدو الفجوة بين الإنفاق على المشروعات ووصول الخدمة إلى المواطن أكثر وضوحًا، يحكي علاء أن قريته شهدت إنشاء مركز صحي جديد، لكنه، بحسب روايته، مازال مغلقًا منذ أربع سنوات دون تشغيل، رغم ما أُنفق على إنشائه، وبينما يرى مبنى جديدًا في قريته، لا يشعر بأن الخدمة الصحية أصبحت أقرب إليه بالقدر الذي كان ينتظره.
ولا يقف قلقه عند حدود المركز؛ فبعد مرور سنوات على افتتاح مدينة الدواء المصرية في أبريل 2021، التي استهدفت دعم إنتاج الدواء الآمن والفعال وتعزيز الصناعة المحلية، لا يزال يشكو من صعوبة الحصول على بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، ومن عدم شعوره بتحسن كافٍ في الخدمة التي يتلقاها بالمستشفى.
ولا تعني هذه الشهادة وحدها أن المشروعات الدوائية أو الصحية لم تحقق أهدافها، لكنها تكشف ضرورة التمييز بين إنشاء المنشأة وتشغيلها، وبين زيادة القدرة الإنتاجية وتوافر الدواء الذي يحتاجه المريض، وبين عدد الخدمات المقدمة وجودتها الفعلية.
وتكشف الأرقام الرسمية، في المقابل، عن توسع فِعلي في مشروعات التنمية الريفية، فبحسب بيانات وزارة التخطيط المتعلقة بالمرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة»، خُصصت استثمارات بنحو 350 مليار جنيه لتطوير 1477 قرية يستفيد منها قرابة 18 مليون مواطن، وشملت المشروعات إنشاء وتطوير وحدات صحية ومستشفيات ووحدات إسعاف، إلى جانب آلاف الفصول الدراسية.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن سؤال علاء: هل تعمل المنشأة التي أُنشئت في قريته؟ وهل يتوفر فيها الأطباء والأدوية والمستلزمات؟ فالاختبار الحقيقي لأي مشروع خدمي لا ينتهي عند افتتاحه أو تسجيله ضمن المشروعات المنفذة، وإنما يبدأ من انتظام تشغيله، وتوافر العاملين والمستلزمات، وقدرته على تلبية احتياجات المواطنين بصورة مستدامة.
ما معنى المدرسه ومجانية التعليم إذا كان الدرس الخصوصى إجبارى ؟
أما سعاد جاد، الموظفة التي تحاول توفير احتياجات أسرتها، فتطرح سؤالًا مختلفًا: ما معنى مجانية التعليم إذا كانت الأسرة مطالبة بمواجهة مصروفات متزايدة، وتكاليف دروس خصوصية، واحتياجات تعليمية لا تستطيع الاستغناء عنها؟
تتحدث سعاد عن نقص المدرسين في بعض المدارس، وكثافة الفصول، وارتفاع تكلفة الدروس، إلى جانب تساؤلاتها بشأن دور مجموعات التقوية وقدرتها على توفير بديل فعلي يناسب الأسر محدودة الدخل.
وبالنسبة إليها، لا يكفي أن يكون التعليم متاحًا من الناحية النظرية؛ فالمهم أن يحصل ابنها على تعليم جيد داخل المدرسة، دون أن تضطر إلى دفع تكلفة إضافية حتى يتمكن من استيعاب المناهج.
وتكتسب هذه الشكوى أهمية إضافية في ظل المؤشرات التي أظهرتها نتائج «الباروميتر العربي» المنشورة في مايو 2026، إذ تصدر التعليم قائمة القطاعات من حيث عدد المقترحات المقدمة عبر موقع منتدى مصر 2026، تلاه قطاع الثقافة والإعلام ثم سوق العمل، ولا تكشف هذه الترتيبات وحدها عن رأي جميع المصريين، لكنها تعكس حضور التعليم والعمل ضمن الملفات التي اختار المشاركون طرحها.
وتمنح نتائج الباروميتر مؤشرًا أوسع إلى المزاج العام؛ فقد وصف 72% من المصريين الوضع الاقتصادي بأنه سيئ أو سيئ جدًا، واعتبر 60% أن الاقتصاد يمثل التحدي الأكثر إلحاحًا للبلاد، فيما تصدر ارتفاع تكاليف المعيشة المخاوف الاقتصادية بنسبة 45%، تلاه نقص فرص العمل بنسبة 17% والفقر بنسبة 16%.
وفي المقابل، أظهرت النتائج أن 91% يشعرون بالأمان في أحيائهم، وأن 87% راضون عن توفير الكهرباء، و81% عن إمدادات المياه، لكن عدم الرضا ارتفع في ملفات الخدمات اليومية، إذ أعرب 58% عن عدم رضاهم عن الرعاية الصحية والتعليم، بينما رأى 85% أن أداء الحكومة في إبقاء الأسعار منخفضة سيئ.
وتوضح هذه المؤشرات أن تقييم المواطنين ليس حكمًا واحدًا على كل ما تحقق؛ فقد يكون هناك رضا عن جوانب من البنية الأساسية والأمن، يقابله استياء من تكاليف المعيشة وجودة الخدمات وفرص العمل.
ويرى الشافعي أن جانبًا كبيرًا من الاستثمارات العامة خلال السنوات الماضية تركز في البنية التحتية والمشروعات القومية، وهي استثمارات ضرورية لبناء قاعدة اقتصادية، لكن عائدها المباشر على دخل المواطن لا يظهر بالسرعة نفسها التي تظهر بها آثار الإنفاق على ميزانيته.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توجيه أكبر للاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية كثيفة العمالة، مثل الصناعة التحويلية والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والخدمات القابلة للتصدير، بما يوفر وظائف دائمة ذات إنتاجية وأجور أفضل، بدلًا من الاكتفاء بفرص العمل المؤقتة التي تنشأ خلال مراحل بناء المشروعات.
كما يشدد على أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتيسير حصولها على التمويل، وربط الاستثمار باحتياجات سوق العمل والمزايا الاقتصادية لكل محافظة.
ويحدد الخبير ثلاثة مؤشرات ينبغي أن تحظى بالأولوية في تقييم الأداء: أثر التضخم على أسعار السلع والخدمات الأساسية، وتطور الأجور الحقيقية بعد احتساب التضخم، وحجم فرص العمل اللائقة والدائمة التي يستحدثها القطاع الخاص المنتج.
ولا تتوقف مطالب المواطنين عند تحسين الرواتب، وإن كانت تمثل أولوية ملحة لأسر لا تستطيع الادخار أو مواجهة الطوارئ، فهناك حاجة أيضًا إلى ضبط الأسواق، وتحسين جودة التعليم، وتوفير الدواء والخدمة الطبية المناسبة، وربط التعليم بمتطلبات سوق العمل، والتوسع في الاستثمارات التي تخلق فرص عمل مستقرة للشباب.
ويمتد النقاش إلى أهمية وجود مناخ يسمح بالتعبير عن الرأي بحرية، وطرح أوجه القصور ومناقشتها، حتى تصل مشكلات المواطنين إلى صانعي القرار، وتصبح المشاركة المجتمعية وسيلة لتحسين السياسات لا مجرد تسجيل للمقترحات.
وفي هذا السياق، يلفت الشافعي إلى أهمية إحكام الرقابة على الأسواق، وتوسيع الحماية الاجتماعية الموجهة إلى الأسر الأولى بالرعاية، وإصلاح التعليم الفني والتدريب المهني بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي.
التنمية لا تقاس بما أُنفق ولكن بما يشعر به المواطن
وبينما تستعد الحكومة لعرض ما تحقق وفتح نقاش بشأن أولويات المستقبل، لا يطلب نبيل بتوقف تطوير الكرق أو إنشاء طرق جديدة، ولا يتجاهل علاء أهمية المنشآت الصحية، ولا تنكر سعاد قيمة تطوير المدارس، ما يريدونه هو أن تصل آثار التنمية إلى تفاصيل حياتهم: راتب يكفي الاحتياجات الأساسية، ومدرسة تقدم تعليمًا جيدًا، ومركز صحي يعمل، ودواء متاح، وفرصة عمل تتيح للشباب بناء مستقبلهم.
فنجاح التنمية لا يقاس فقط بما أُنشئ وما أُنفق، بل أيضًا بما تغير في حياة الناس، وبين إنجازات يمكن قياسها بالمشروعات والاستثمارات، واحتياجات يختبرها المواطن كل يوم، تتحدد الأولوية الأهم للمرحلة المقبلة: تحويل ثمار النمو إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة وجودة الخدمات.