تشهد المنطقة حالة من الترقب مع تصاعد الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة تدفع مختلف الأطراف إلى البحث عن صيغ تقلل من احتمالات المواجهة المباشرة.
وبينما تتباين التقديرات بشأن الرابحين والخاسرين من أي تفاهم محتمل، تتجه الأنظار إلى التداعيات التي قد يتركها الاتفاق على ملفات شائكة تمتد من البرنامج النووي الإيراني إلى الأزمات الإقليمية في لبنان وغزة واليمن، وسط تساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق سيشكل مدخلاً لمرحلة أكثر استقرارًا أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار دون معالجة جذور الخلافات القائمة.
تهدئة مؤقتة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة
وفي هذا السياق، قال الدكتور علاء السعيد الخبير في الشأن الإيراني، إن الحديث عن اتفاق أمريكي إيراني جديد لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصارًا كاملاً لطرف وهزيمة كاملة لطرف آخر، بل باعتباره صفقة سياسية مؤقتة يسعى كل طرف من خلالها إلى تقليل خسائره وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وأضاف علاء السعيد لـ “القصة” أن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران سيجعل الاستقرار النسبي في المنطقة الرابح الأول، لأن جميع الأطراف تدرك أن البديل عن التفاهم يتمثل في مزيد من التصعيد العسكري الذي قد يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
وأضاف أن الخاسر الأكبر سيكون من راهن على استمرار سياسة المواجهة المفتوحة أو اعتقد أن الصراع يمكن حسمه عسكريًا بشكل كامل.
مكاسب متبادلة لواشنطن وطهران
وأوضح السعيد، أن إيران ستحقق عدة مكاسب حال إبرام الاتفاق، أبرزها تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات أو على الأقل منع فرض عقوبات إضافية جديدة، إلى جانب الحصول على اعتراف عملي بدورها الإقليمي باعتبارها لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الشرق الأوسط.
كما يمنح الاتفاق الاقتصاد الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس ويعزز موقف القيادة الإيرانية داخليًا بعد سنوات طويلة من الضغوط.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى من خلال أي تفاهم محتمل إلى منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية وتقليل احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تستنزفها عسكريًا واقتصاديًا، خاصة في ظل تركيزها على منافسة الصين وملفات دولية أخرى أكثر أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الاتفاق يمنح واشنطن قدرة أكبر على إدارة التوتر بدلاً من الانجرار إلى مواجهة مباشرة غير مضمونة النتائج.
وأشار السعيد إلى أن الموقف الإسرائيلي يبدو أكثر تعقيدًا، موضحًا أنه إذا نجح الاتفاق في فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني فقد تنظر إليه تل أبيب باعتباره مكسبًا أمنيًا مؤقتًا، أما إذا رأت أن الاتفاق يمنح إيران مساحة اقتصادية وسياسية أوسع دون تفكيك كامل لقدراتها النووية، فإنها ستعتبره خسارة استراتيجية لأنه يوفر لطهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز نفوذها الإقليمي.
انعكاسات محتملة على لبنان وغزة واليمن
وأكد السعيد أن الساحات الإقليمية ستكون من أكثر الملفات تأثرًا بأي تفاهم أمريكي إيراني، موضحًا أن لبنان قد يشهد فرصًا أكبر للتهدئة والتسويات السياسية الداخلية كلما انخفض مستوى التوتر بين واشنطن وطهران.
وأضاف أن الاتفاق قد ينعكس على قطاع غزة في صورة ضغوط أكبر لاحتواء التصعيد ومنع فتح جبهات جديدة، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده لحل الأزمة الفلسطينية أو إنهاء الصراع مع إسرائيل، نظرًا لعمق وتعقيد جذور الأزمة.
وفيما يتعلق باليمن، رجح أن يفتح الاتفاق الباب أمام فرص أكبر للتسويات السياسية وخفض مستوى المواجهات العسكرية، خاصة إذا تزامن مع تفاهمات إقليمية أوسع تشمل دول الخليج.
وأوضح أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الاتفاق سينهي التوتر، بل إلى أي مدى سيتمكن من إدارته، مشيرًا إلى أن الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والعقوبات الأمريكية ما زالت قائمة.
واختتم السعيد، أن أي اتفاق محتمل لن يكون نهاية للصراع، بل أقرب إلى هدنة سياسية قد تطول أو تقصر، تؤجل الانفجار وتمنح جميع الأطراف فرصة لإعادة ترتيب حساباتها، دون معالجة جذور الخلاف بشكل نهائي، وهو ما يجعل الاتفاق وسيلة لتأجيل التوتر أكثر من كونه أداة لإنهائه.