يفصلنا أيام قليلة عن عيد الأضحى المبارك، ولكن في ظل تلك الظروف الاقتصادية الشاقة، أضحى العيد لبعض المواطنين وسيلة إجبارية لرفع الراتب الشهري، بدلًا من مرافقة الأسرة والاستمتاع معهم بأجواء البهجة؛ كما حدث مع عبد الله ومحمد وعماد، وهم آباء وشباب تحولت أعيادهم إلى دوام إضافي ممتد مقابل حفنة من المال قد تساهم في تدبير بعض أمورهم المعيشية الحتمية.
شهادات حية من الميدان.. أجساد في العمل وقلوب في الخيام
يقول عبد الله، وهو موظف في شركة السكر، في حديثه لـ “القصة”: “أنا موظف في شركة السكر لما المصنع بيكون شغال باخد أول يوم عيد بس إجازة وباقي الأيام بنزلها، رغم أنهم إجازة بس لو نزلتهم اليوم هيتحسب بـ 400 جنيه، بنزلهم وبقول أي قرش يجي وزيادة البيت والعيال أولى بيه”.
ويتابع عبد الله أن أطفاله يصيبهم الحزن الشديد عند علمهم بأنه ذهب إلى العمل لكونهم ما زالوا صغارًا وأكبرهم في الصف الأول الابتدائي فلا يدركون أعباء الحياة، مضيفًا أن زوجته هي الأخرى تتغير ملامحها قليلًا ولكنها تحاول إخفاء انزعاجها ببسمة داعمة له لمعرفتها بحجم الجمعيات والمصروفات التي يتوجب عليه سدادها، ومستدركًا في حديثه: “المرتب ضعيف والحياة بقت صعبة، كل حاجة غليت من أول المواصلات لحد السلع الأساسية، وأنا موظف حكومي حتى المكافأة بتاعت العيد مجبتليش 2 كيلو لحمة، وبعد العيد مستنينا هم ومدارس فكان لازم أنزل أعمل إيه، الحمد لله”.
ولم يختلف المشهد كثيرًا عند محمد، وهو طالب جامعي يعمل عامل “دليفري” باليومية؛ فالإجازة بالنسبة له تعني انقطاع الرزق تمامًا، ويقول محمد في حديثه لـ “القصة”: “أنا طالب في رابعة جامعة بصرف على نفسي عشان أخفف عن بابا، شغال دليفري مرتبي باليومية واليوم المش بنزل أشتغل فيه مبيبقاش معايا فلوس مواصلاتي حتى، وإحنا دلوقتي في فترة امتحانات ومحتاج أصور ملازم عشان أذاكر فمضطريت أنزل أشتغل في العيد”.
ويتابع أن والدته تنظر إليه كل يوم وهو غادٍ إلى عمله بعينين يملؤهما الخوف والقلق؛ لكون العمل في التوصيل لا يقتصر على استلام الطلبات وإيصالها بل يرتبط بمخاطر الطرق وقسوة التعامل أحيانًا، لافتًا بالقول: “لما بنزل الشغل في العيد بيفوتني حاجات أعيشها مع عيلتي، مش بعرف أتجمع معاهم ولا حتى أشوف أخواتي، بصلي العيد بالعافية، الشغل بيدمر حياتي الاجتماعية في العيد، بس ظروف الحياة هي الجبرتني على كده”.
أما عن عماد، فتجربته توضح عمق الأزمة الهيكلية، حيث يقول في حديثه لـ “القصة”: “أنا موظف في شركة خاصة بس المرتب بتاعي ضعيف حتى احتياجات البيت مش بيكفيها، فلازم أشتغل شغل إضافي جنب الشركة”، مؤكدًا أنه يستغل إجازة العيد الرسمية في ممارسة مهنة الكهربائي الحر ليوفر بعض المخصصات، بل ويصطحب معه ابنه البالغ من العمر 8 أعوام ليعلمه الصنعة قائلًا: “أنا بهتم بتعليم عيالي جدا عشان يبقوا أحسن مني، بس باخد ابني الكبير معايا عشان أعلمه الصنعة وكمان مخليهوش يقعد في الشارع كتير، لما باخد أول يوم عيد إجازة مراتي وأولادي بيبقوا فرحانين جدا، للأسف الظروف حرمتنا أننا نتهنى بالعيد رغم أن ده الطبيعي”.
قراءة اقتصادية.. تآكل القوة الشرائية وولادة “العمل المرن”
وفي تحليل اقتصادي لهذه الظاهرة، توضح الدكتورة حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن الأوضاع الحالية وارتفاع معدلات التضخم أجبرت العديد من المصريين على التضحية بأوقات الراحة والتحول نحو العمل الإضافي لتحسين دخلهم المتآكل، قائلة في حديثها الخاص لمنصة القصة: “إن هناك انخفاضًا مستمرًّا في القوة الشرائية للنقود مقابل تزايد متطلبات الأسرة الأساسية، ولهذا السبب أصبح رب الأسرة مضطرًّا للعمل الإضافي لتلبية هذه الاحتياجات، بل وأصبح الشباب عند الإقبال على الزواج يبحثون عن شريكة عاملة لمواجهة الأزمات”.
وتشير رمسيس إلى أن التضخم أثر بقوة على الأسعار التي باتت تتغير بشكل شبه يومي، مما أدى إلى خلق حالة من الطبقية الحادة بين قلة قادرة وأغلبية عظمى تكافح لتوفير سلة الغذاء اليومية، لافتة إلى أن التدابير التنفيذية كإغلاق المحال في الحادية عشرة مساءً أجبر عمال الورديات الليلية على تغيير فترات عملهم، ومضيفة: “الشباب اتجهوا بكثافة للعمل في مجال الدليفري عبر التطبيقات الرقمية لسرعة كسب الرزق، وهو ما يعكس تغيرًا بنيويًّا في ثقافة العمل أثر سلبًا على توفر العمالة في الحرف اليدوية والمشاريع الإنتاجية التي تتطلب تدريبًا منذ الصغر كالميكانيكا والنقاشة والكهرباء، ليتحول العمل خلال الأعياد من خيار ترفيهي إلى ضرورة اقتصادية بحتة وعمل مرن يفتقر أحيانًا للضمانات القانونية الحامية للعمال”.
استغلال المواسم وغياب الحماية القانونية للقطاع غير الرسمي
من جانبها، ترى الدكتورة فاطمة فؤاد، الخبيرة العمالية، أن العمل خلال الأعياد أصبح ظاهرة متنامية نتيجة اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي والخدمات الرقمية التي لا تتوقف طوال 24 ساعة كالمولات والمطاعم والنقل الذكي، قائلة في حديثها لمنصة القصة: “إن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة جعل مواسم الأعياد فرصة أساسية لزيادة الدخل لشرائح واسعة كعمال الدليفري والمطاعم والمصورين؛ إذ إن دخل العيد لبعضهم قد يعادل دخل أسبوع كامل، وفي المقابل فإن الأعمال اليومية وغير الرسمية تعتمد بشكل رئيسي على البقشيش الذي يرتفع في الأعياد لتعويض ضعف المقابل الأساسي”.
وتوضح فؤاد الفجوة القانونية الحادة بين فئات العمالة؛ حيث يمنح قانون العمل في الوظائف الرسمية الحق للعامل في إجازة بأجر كامل في الأعياد، وإذا اقتضت الظروف تشغيله يحصل على أجر مضاعف أو يوم بديل، مستدركة بالقول: “إن العمالة غير الرسمية كعمال اليومية وسائقي التطبيقات الذكية والباعة الجائلين لا يتمتعون بعقود ثابته أو تأمينات صحية واجتماعية، وإذا انقطع العامل منهم عن العمل ينقطع أجره فورًا، مما يثبت أن أوقات الراحة لم تعد تمثل رفاهية أو خيارًا متاحًا لمحدودي ومعدومي الدخل، بل تحول وقت الراحة نفسه إلى وقت ضروري للعمل والركض خلف لقمة العيش”.