فرضت تداعيات المواجهة العسكرية المحتدمة بالمنطقة تساؤلات حاسمة حول مستقبلي التوازنات الأمنية ومظلة الحماية الأمريكية للخليج، وسط سجال عريض عما إذا كانت العواصم الخليجية تدفع لمجاملة واشنطن وتكاليف مواجهاتها، أم أنها باتت تبحث جديا عن معادلة أمنية مستقلة تجنبها تبعات قرارات حرب لم تشارك في اتخاذها.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن المشهد الراهن تجاوز السؤال التقليدي عن مدى قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها، ليتجه نحو إعادة تقييم جدوى النموذج الأمني القائم على الإيجار أو الاعتماد الشبه كلي على المظلة الأمريكية.
مفارقة الوجود العسكري وتكلفة التبعية
وقال علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، في حديثه لـ”القصة”، إن الحرب الحالية كشفت عن مفارقة شديدة الخطورة؛ إذ وجدت دول الخليج التي استضافت القواعد الأمريكية لردع الخطر، أراضيها ومنشآتها حيوية وممراتها البحرية في قلب دائرة الاستهداف، جراء مواجهة لم تكن هي من حدد توقيتها أو سقف أهدافها.
وأكد السعيد أن دول الخليج لا تتجه نحو قطيعة كاملة أو مفاجئة مع واشنطن، لكون العلاقات الأمنية أعمق من أن تتلاشى بسبب أزمة واحدة، مشيرًا إلى أن ما يحدث عمليًا هو تحول ملحوظ من “الاعتماد الكامل” إلى “تنويع الشراكات”، عبر تعزيز قدرات الدفاع الذاتي، وتوسيع الشبكة الدبلوماسية إقليميًا ودوليًا، بما ينزع عن البيت الأبيض احتكار القرار الأمني بالمنطقة.
وأوضح الخبير في الشأن الإيراني أن الحديث عن “تضحية خليجية إجبارية بمواردها لإنقاذ الإدارة الأمريكية” يجب أن يقرأ بدقة، لافتًا إلى أنه رغم الضغوط الشديدة للاستفادة من الطاقة والموانئ ورؤوس الأموال الخليجية، فإن هذه الموارد ليست شيكًا مفتوحًا أو احتياطيًا لمعالجة أخطاء السياسة الأمريكية كلما تعثرت.
توازن المصالح ومحاذير الانزلاق
وأضاف السعيد، أن رفض تحميل الخليج فاتورة الحرب لا يعني الصمت عن التهديد الإيراني المباشر، مشدداً على أن المخاوف الخليجية من الصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف الملاحة حقيقية وليست مجرد سيناريوهات نظرية، إلا أن إدانة هذه الاعتداءات لا تمنح واشنطن تفويضا مفتوحا لإدارة أمن المنطقة بأسلوبها الخاص.
وأشار السعيد إلى أن مساعي الوساطة والتهدئة التي تقودها العواصم الخليجية لا تستهدف إنقاذ أي من طرفي النزاع، بل تعد محاولة مبدئية لإنقاذ أمن واقتصاد المنطقة ذاتها من استنزاف أطول، مؤكدًا أن القناعة الاستراتيجية الكبرى التي ستتكرس بعد هذه المواجهة هي أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يرادف تحقيق الأمن التام بمفرده.
واختتم الخبير في الشأن الإيراني حديثه بالتأكيد على أن السؤال الجوهري عقب هذه الحرب لن يرتبط بهوية المنتصر بين واشنطن وطهران، و إنما بمدى قدرة دول الخليج على بناء معادلة أمنية مستقلة ومتوازنة تحميها من دفع ثمن أي صراع قادم يقرر غيرها إشعاله.