في الوقت الذي أفترض فيه البسطاء أن المستشفيات الحكومية هى الملاذ الأخير المحصن ضد غلاء الأسعار وجشع الاسواق، تفاجأت الأسر محدودة الدخل بواقع مرير يحاصر فرحه قدوم المواليد، حيث تحولت أقسام التوليد في بعض المستشفيات الى ساحة انتظار تشترط فيها الفاتورة المسددة قبل صرخات الحياة الأولى.
و مع اتساع الفجوة بين الأجور المتهالكة و تكاليف الرعاية الصحية، بات الحلم الانجابي يواجه شبح التعقيد المالي لتجد الاسر البسيطة نفسها أمام معادلة قاسية عنوانها العريض “الدفع أولا أو البحث عن بدائل” غير آمنه تهدد حياة الام وجنينها.
وقد شهد ملف الرعاية الصحية للأم والطفل فى مصر نقاشاً واسعا بين الجهات الرسمية والنقابية، على خلفية الجدل الدائر حول فرض رسوم على خدمات الولادة الطبيعية بالمستشفيات الحكومية وفق اللائحة الجديدة رقم 75 لسنة 2024.
بينما تحذر نقابه الاطباء من تداعيات هذه الرسوم على دفع السيدات نحو الولاده المنزلية غير الآمنه وتهديد المكتسبات الصحيه السابقة.
و تتجه وزارة الصحة نحو تقديم حلول داعمة من خلال إقرار مجانية الولادة الطبيعية الأولى لكل سيدة عبر مستشفيات القطاع العلاجي في خطوة تستهدف تشجيع الممارسات الطبية الآمنة وخفض معدلات القيصرية غير الضرورية.
حيث تسجل المستشفيات الحكوميه المعدلات الاكثر اعتدالا و تحسناً في تشجيع الولاده الطبيعيه مقارنه بقطاع الخاص والجامعي.
نسب وإحصائيات عمليات الولادة الطبيعية
في عام 2024، بلغت نسبة الولادة القيصرية الإجمالية في مصر 72% بينما بلغت نسبة الولاده الطبيعية الإجمالية حوالي 28% ومع ذلك تميزت مستشفيات الحكومية بنسب أعلى للولادة الطبيعية مقارنة بالعيادات والمستشفيات الخاصة التي هيمن عليها التدخل الجراحي.
وفي عام 2025، أظهرت البيانات الرسمية الصادرة مطلع عام 2026 أن الولادات القيصرية الإجمالية ارتفعت لتسجل حوالي 80% على مستوى الجمهورية، لكن داخل المستشفيات الحكوميه تحديداً بلغت نسبة الولادة الطبيعية نحو 37% حيث سجلت القيصرية بها 63% فقط مقارنه ب 81% فى القطاع الخاص.
وفي عام 2026، كشفت إحصاءات وزارة الصحة عن قفزة إيجابية ملحوظه نتيجة خطط الحوكمة وتفعيل مبادرة ولادة آمنه بلا أعباء التي اتاحت الولادة الطبيعية الأولى مجاناً في المستشفيات الحكوميه ووفقا لبيانات الربع الأول من عام 2023 تراجعت نسب القيصرية لتصل 63% إجمالي، مما يعني ارتفاع معدلات الولاده الطبيعيه لتسجل 37% كمتوسط عام.
و فى هذا الإطار، رفض الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، تطبيق الرسوم المادية على حالات الولادة الطبيعية داخل المستشفيات الحكومية بموجب اللائحة الأساسية للمنشآت الصحية رقم 75 لسنة 2024، معتبراً أن “الولادة الآمنة حق لكل سيدة مصريّة” ولا يمكن ربطها بالقدرة المادية للمواطنين.
المطالبة بالإعفاء الفوري
كما دعا نقيب الأطباء بوضوح إلى عدم تطبيق بنود هذه اللائحة على خدمات الولادة، خاصة بعد أن تخطت تكلفتها حاجز الـ 2000 جنيه داخل المستشفيات الحكومية.
التحذير من العودة للولادة المنزلية
و حذّر الدكتور أسامة من أن فرض هذه الرسوم قد يؤدي إلى إحجام السيدات عن الذهاب للمستشفيات واللجوء مجدداً إلى “الولادة المنزلية” غير الآمنة طبياً والمصحوبة بمخاطر النزيف المفاجئ وتضاعف نسب الوفيات.
التراجع عن المكتسبات الصحية
كما أشار النقيب إلى أن فرض الرسوم يهدد المكتسبات التي حققتها الدولة المصرية على مدار السنوات العشر الأخيرة، والتي نجحت من خلالها في رفع نسبة الولادات التي تتم تحت إشراف طبي آمن إلى 97%.
مجانية الخدمة الحالية
كما أوضح أن خدمات الولادة الطبيعية المجانية بالكامل باتت مقتصرة في الوقت الراهن على المستشفيات الجامعية فقط، في حين أصبحت المستشفيات الحكومية والأقسام العلاجية التابعة للمحليات تقدمها برسوم طبقاً للائحة الجديدة، باستثناء حاملي قرارات العلاج على نفقة الدولة أو الخاضعين للتأمين الصحي.
فى المقابل وافق الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، على أن تجرى الولادة الطبيعية الأولى لكل سيدة مجانًا داخل مستشفيات القطاع العلاجي التابع للوزارة بجميع محافظات الجمهورية، وذلك في إطار حرص الدولة على الارتقاء بصحة الأم والطفل، وتعزيز الاتجاه نحو الممارسات الطبية الآمنة.
كما أوضح وزير الصحة والسكان، أن ياتى ذلك ضمن استراتيجية الوزارة لتشجيع الولادة الطبيعية باعتبارها الخيار الطبي الأمثل في الحالات غير المعقدة، لما لها من فوائد صحية مثبتة للأم والطفل، فضلًا عن دورها في تقليل المضاعفات المرتبطة بالولادات القيصرية غير الضرورية، بما ينعكس إيجابيًا على مؤشرات الصحة العامة.
وأكدت وزارة الصحة أن المستشفيات التابعة للقطاع العلاجي، مجهزة تماما لاستقبال هذه الحالات وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، مع توافر الفرق الطبية المدربة والتجهيزات اللازمة لضمان تقديم الخدمة بشكل لائق وآمن، مشيرة إلى أن القرار يشمل جميع المحافظات دون استثناء لضمان العدالة في تقديم الخدمة الصحية.