في كل مرة يظهر فيها صوت يطالب بالرحمة، يخرج في المقابل من يحاول تحويل هذا الصوت إلى تهمة. وهذا بالضبط ما حدث مع مصطلح “الكلبجية”، الذي انتشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، ليس باعتباره وصفًا عابرًا، بل كجزء من حملة منظمة تهدف إلى تشويه كل من يدافع عن الحيوانات أو يرفض قتلها بالسموم.
المثير أن توقيت انتشار المصطلح لم يكن عشوائيًا. فبعد اتجاه الدولة إلى الحد من استيراد مواد خطيرة مثل “الاستركنين”، المستخدم في قتل الكلاب والحيوانات بشكل وحشي، ومع تبني استراتيجية أكثر تحضرًا تعتمد على التعقيم والتطعيم وإعادة الحيوانات إلى بيئتها الطبيعية ضمن رؤية 2030، بدأت مصالح البعض تتضرر، وهنا ظهرت المعركة الحقيقية: إذا كانت “السبوبة” قد انتهت، فلا بد من خلق رأي عام معادٍ لكل من يدعم البديل الإنساني.
وهكذا بدأت اللجان الإلكترونية عملها. لم تناقش حلولًا، ولم تقدم رؤى حقيقية، بل اختارت الطريق الأسهل: السخرية والتشويه والاتهام. فتم اختراع مصطلحات، وتحويل محبي الحيوانات إلى مادة للهجوم، ثم بدأ الترويج لأفكار عبثية عن التمويل الخارجي والمؤامرات، وكأن كل من يضع ماءً لكلب عطشان أو يرفض تسميم حيوان في الشارع يتحرك وفق أجندة خفية.
والسؤال هنا: تمويل من أجل ماذا بالضبط؟ هل هناك جهة في العالم تدفع الأموال لأن شخصًا قرر إطعام حيوان جائع أو المطالبة بعدم تعذيبه؟ والأهم، هل يمكن لدولة بحجم مصر، تمتلك مؤسسات رقابية وأجهزة قوية، أن تسمح بوجود تمويلات غير قانونية بهذا الشكل دون تحرك حاسم؟ الحقيقة أن هذه الروايات لا تعتمد على المنطق، بل على إثارة المشاعر وتحويل الناس ضد بعضهم البعض.
المؤلم أكثر أن البعض صدّق هذه الأكاذيب بسهولة، رغم أن الرحمة بالحيوان ليست فكرة مستوردة ولا مؤامرة حديثة، بل قيمة دينية وإنسانية أصيلة. فجميع الأديان دعت إلى الرفق بالحيوان، فكيف أصبح اليوم التعاطف مع الحيوان محل سخرية واتهام؟
الحقيقة أن القضية ليست “كلاب شوارع” فقط، بل قضية وعي وأخلاق. فالمجتمع الذي يعتاد القسوة على المخلوقات الأضعف يصبح أكثر استعدادًا للعنف والتنمر وانعدام التعاطف بشكل عام، الرحمة لا تتجزأ، والإنسان الذي يملك قلبًا رحيمًا تجاه حيوان ضعيف لن يكون يومًا خطرًا على مجتمعه، بل العكس تمامًا.
أما مصطلح “الكلبجية”، الذي أُطلق في البداية على سبيل السخرية، فقد تحول مع الوقت إلى شيء مختلف تمامًا. فكثيرون باتوا يستخدمونه بفخر، لأنه في النهاية لا يعني سوى أن هناك أشخاصًا ما زالوا يملكون الرحمة في زمن يحاول فيه البعض تحويل القسوة إلى بطولة.
قد تنجح اللجان الإلكترونية في نشر الضجيج لبعض الوقت، وقد تتمكن من تشويه النقاش وتحويله إلى معارك كلامية، لكنها لن تستطيع إقناع الناس بأن الرحمة جريمة، أو أن احترام مخلوقات الله أمر يدعو للخجل. لأن الحقيقة الأبسط ستظل دائمًا هي الأقوى: الإنسان الحقيقي لا يخجل من رحمته.