لا يتوقف أثر شح العملة الصعبة عند حدود الضغط على الاقتصاد، إذ يمتد إلى جيب المواطن، مع انعكاس تحركات سعر الدولار على أسعار السلع والخدمات. وكلما ارتفع سعر العملة الأمريكية، عادت المخاوف من موجات جديدة لارتفاع الأسعار، وما قد يصاحبها من ضغوط على سعر صرف الجنيه.
الدولار يقترب من 52.25 جنيه
شهدت أسعار الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري تحركات صعودية في تعاملات 29 سبتمبر 2026، إذ سجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري 52.05 جنيه للشراء و52.19 جنيه للبيع.
وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر وبنك قناة السويس، بلغ سعر الدولار 52.07 جنيه للشراء و52.17 جنيه للبيع، بينما سجل في البنك التجاري الدولي (CIB) نحو 52.02 جنيه للشراء و52.12 جنيه للبيع.
وسجلت العملة الأمريكية في بنك الإسكندرية نحو 52.09 جنيه للشراء و52.19 جنيه للبيع، فيما قدم مصرف أبو ظبي الإسلامي أعلى سعر لشراء الدولار في تعاملات اليوم عند 52.15 جنيه للشراء و52.25 جنيه للبيع، بحسب بيانات كل بنك.
«الأموال الساخنة» في قلب المشهد
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي أن السبب الرئيسي وراء الضغوط الحالية يرتبط باعتماد الاقتصاد المصري على «الأموال الساخنة»، وهي استثمارات المحافظ الأجنبية غير المباشرة في أدوات الدين الحكومية، مثل أذون وسندات الخزانة.
ويقول الشافعي لـ«القصة» إن هذه الأموال تمثل إشكالية هيكلية في تدفقات العملة الصعبة، بسبب طبيعتها شديدة التقلب وسرعة دخولها وخروجها استجابة للتغيرات في الأسواق العالمية.
ويضيف أن اعتماد الاقتصاد على الأموال الساخنة يمثل مخاطرة كبيرة بسبب آليتي الدخول والخروج السريعين، موضحًا أنها لا تستقر في مشروعات إنتاجية أو أصول يمكن أن تولد قيمة مضافة مستدامة.
وتجذب مصر هذه الاستثمارات من خلال رفع أسعار الفائدة الحقيقية ومعدلات العائد على أذون الخزانة إلى مستويات مرتفعة، تتجاوز في أوقات عدة 25% إلى 30%، بحسب الشافعي.
خروج سريع.. وضغط على الدولار
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن ظهور أزمات جيوسياسية أو اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة قد يدفع هذه المحافظ إلى التخارج بصورة جماعية ومفاجئة، ما يحدث صدمة سريعة في معروض النقد الأجنبي.
ويشير إلى أن ذلك يضع البنك المركزي والمؤسسات المصرفية أمام الحاجة إلى امتصاص العجز بصورة حادة، إذ يحول المستثمرون الأجانب، عند التخلي عن أدوات الدين المقومة بالجنيه، حصيلتهم إلى العملة الصعبة استعدادًا للخروج من السوق.
ويؤدي ذلك، بحسب الشافعي، إلى ضغط مباشر على الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، مع تراجع صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، الذي شهد خلال فترات التعافي صعودًا إلى مستويات إيجابية تجاوزت 28 مليار دولار.
ويشرح أن الشح المفاجئ في السيولة الدولارية يقلل المعروض في السوق، ويضع البنك المركزي أمام خيارين؛ إما السحب من الاحتياطي النقدي الدولي لدعم الواردات والالتزامات الدولية، أو ترك سعر العملة المحلية يتحرك بصورة أكبر وفق العرض والطلب، وهو ما يضع الجنيه تحت ضغوط خفض القيمة.
لماذا تجاوز الدولار حاجز الـ52 جنيهًا؟
لكن الشافعي يرى أن ارتفاع سعر صرف الدولار إلى أكثر من 52 جنيهًا لا يعود إلى خروج الأموال الساخنة وحده، وإنما تتداخل معه عوامل أخرى أكثر تأثيرًا وعمقًا.
ويقول إن تخارج الأموال الساخنة لعب دور «الشرارة المحفزة» التي كشفت الفجوة التمويلية المقدرة بعشرات المليارات من الدولارات، بينما يعود العامل الأبرز إلى الاختلال الهيكلي في الميزان الجاري، إذ تتجاوز فاتورة الاستيراد 80 إلى 90 مليار دولار سنويًا، مقابل صادرات سلعية لا تتعدى 35 إلى 40 مليار دولار.
ويضيف أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أثرت على إيرادات قناة السويس، مع تراجعها بأكثر من 50% إلى 60% في بعض الفترات نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب ارتفاع التزامات خدمة الدين الخارجي المقدرة بعشرات المليارات سنويًا.
كما يشير إلى تراجع تحويلات المصريين بالخارج خلال فترات وجود سعرين للصرف، قبل توحيد سعر الصرف.
ماذا لو استمر خروج الأموال الساخنة؟
وبشأن الفترة المقبلة، يوضح الشافعي أن استمرار خروج الأموال الساخنة قد يضع سعر الصرف تحت ضغوط متواصلة، بما قد يدفع الجنيه إلى مستويات أدنى ويزيد الضغوط التضخمية، التي يقدرها بنحو 25% إلى 30%.
ويضيف أن أحد السيناريوهات يتمثل في اضطرار البنك المركزي إلى إعادة تشديد السياسة النقدية من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات تتجاوز معدلاتها الحالية، المقدرة بنحو 27.25% للإقراض و26.25% للإيداع، بهدف امتصاص التضخم وجذب السيولة المحلية.
ويرى الشافعي أن الحد من هذه المخاطر وتحقيق استقرار مستدام يتطلبان تبني استراتيجية هيكلية تعتمد على تعزيز التدفقات المستدامة للعملة الصعبة، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على الاستثمارات قصيرة الأجل.
ويتحقق ذلك، بحسب رؤيته، من خلال تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في القطاعات الإنتاجية والتصديرية، وتوسيع نطاق التنسيق مع الشركاء الدوليين وصندوق النقد الدولي لضمان تدفقات طويلة الأجل.
كما يشمل ذلك زيادة الصادرات السلعية، وتعميق المكون المحلي في الصناعة لتقليل فاتورة الاستيراد، إلى جانب إحكام الرقابة على الاستدانة الخارجية وقصرها على المشروعات ذات العائد الأجنبي المباشر.
ومع ارتفاع سعر الدولار وتجدد التساؤلات والمخاوف لدى المواطنين، تضع تصريحات الشافعي «الأموال الساخنة» في قلب النقاش حول مصادر الضغط على سوق الصرف، إلى جانب اختلالات أخرى تتعلق بالاستيراد والصادرات وإيرادات قناة السويس وخدمة الدين الخارجي.
ويبقى السؤال: هل تدفع الضغوط المتكررة على سعر الصرف إلى تغيير في السياسات الاقتصادية، بما يقلل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل ويعزز مصادر العملة الصعبة الأكثر استدامة