يعاني العاملون بمنافذ توزيع الخبز المدعم التابعة لـ”شركة المصريين للتوزيع والخدمات” أزمات متعددة بسبب ما سموه “انتهاكات جسيمة” لحقوقهم من قِبَل الشركة. وتقدم العشرات من العاملين بمنافذ بيع الخبز المدعم التابعة للشركة بشكاوى للمفوضية المصرية للحقوق والحريات. كشفت عن انتهاكات مستمرة لحقوقهم في الأجر العادل وفي الحماية التأمينية. وتشغيلهم بأجور لا تتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف جنيه شهريًا، أي أقل من نصف الحد الأدنى المقرر قانونًا. فضلًا عن حرمان عدد منهم من قيد بعض من مدد اشتراكهم في التأمينات الاجتماعية، بما يصل لدى بعضهم إلى عشر سنوات كاملة، بحسب الشكاوى.
ووفقا لشهادات العاملين، فإن من بين المتضررين أمهات معيلات من مناطق في القاهرة والجيزة، يتحملن وحدهن مسؤولية إعالة أسرهن، ويعملن بمنافذ الشركة بأجور لا تكفي الحد الأدنى لتكاليف المعيشة. ما ينتقل أثره من العاملة إلى أسرة بأكملها لا معيل لها سوى المرأة العاملة بالمنفذ التابع للشركة.
وتأسست “شركة المصريين للتوزيع والخدمات” عام 2007 للإسهام في توزيع الخبز المدعم إبان أزمة الخبز. وبدأت عملها بنحو ألفي كشك بمحافظتي القاهرة والجيزة. وتتبع حاليا وزارة التموين والتجارة الداخلية. وتتولى توزيع الخبز المدعم من خلال أكثر من 1100 منفذ. إلى جانب نحو 120 سيارة متنقلة لتوزيع السلع الأساسية. أي أن الشركة تضطلع بأداء خدمة عامة ترتبط بمنظومة الدعم الغذائي التي تمولها الدولة. وتقوم عليها منظومة الدعم التي يعتمد عليها ملايين المصريين. بينما يعيش من ينفذونها على الأرض تحت خط الأجر القانوني.
وسجلت المفوضية المصرية للحقوق والحريات مفارقة في هذا الملف، حيث قالت: “سعر رغيف الخبز المدعم، الذي ظل ثابتًا عند خمسة قروش منذ عام 1988، رفع في يونيو 2024 إلى عشرين قرشًا بزيادة بلغت 300%، وبررت الحكومة هذا التحريك بارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف إلى نحو 125 قرشًا، وتتجه حاليًا مع منظومة الدعم النقدي إلى رفعه إلى جنيه ونصف مع خفض وزن الرغيف من 90 إلى 70 جرامًا”. وأضافت: “فإذا كان ارتفاع التكاليف مبررًا كافيًا لتحميل المواطن عبئًا إضافيًا في سعر رغيفه، فمن باب أولى أن يكون مبررًا لمراجعة أجر من يقف على المنفذ ليسلمه إياه. والمفوضية إذ تسجل ذلك لا تربط حق العامل في الحد الأدنى بأي متغير آخر، فهو حق قائم بذاته بنص القانون، لكنها تنبه إلى أن منظومة تراجَع أسعارها مراعاةً للتضخم وتترك أجور العاملين فيها دون مراجعة، هي منظومة توزع أعباءها على الطرف الأضعف وحده”.
وأكدت المفوضية، في بيان لها اليوم “السبت”، أن ما يجري ليس واقعة طارئة، بل سياسة ممتدة منذ عشر سنوات على الأقل، فقد سبق أن أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة الفتوى رقم 707 لسنة 2016 بجلسة 24 أغسطس 2016، بعدم خضوع العاملين بالشركة لقرار مجلس الوزراء بشأن الحد الأدنى للأجر البالغ آنذاك 1200 جنيه، استنادًا إلى تكييف الشركة باعتبارها شركة مساهمة. وتابعت: “غير أن هذه الفتوى، على خلاف ما قد يستند إليه، لا تنفي عن العاملين حقهم في حد أدنى للأجر، وإنما تحدد النظام القانوني الذي يخضعون له. فالقرار محل الفتوى كان مقررًا للعاملين بأجهزة الدولة، ولم يكن ثمة حد أدنى ملزم لمنشآت القطاع الخاص وقت صدورها، أما اليوم فقد تغير هذا الوضع جذريًا بصدور قرارات المجلس القومي للأجور الملزمة للقطاع الخاص والمقترنة بجزاءات على المخالفين. ومن ثم فإن التكييف ذاته الذي بُنيت عليه الفتوى هو ما يُدخل عمال الشركة تحت مظلة قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، المعمول به اعتبارًا من أول سبتمبر 2025، وتحت الحد الأدنى المقرر للقطاع الخاص بقرار المجلس القومي للأجور والبالغ 8000 جنيه شهريًا اعتبارًا من يوليو 2025”.
وطالبت المفوضية المصرية للحقوق والحريات برفع أجور جميع العاملين والعاملات بمنافذ الشركة إلى الحد الأدنى القانوني المستحق لهم، وصرف الفروق المالية المتراكمة عن الفترات السابقة التي تقاضوا خلالها أجورًا تقل عن الحد الأدنى المقرر. وإصدار قرارا واضحا من الجهات المختصة يحدد النظام القانوني الحاكم لعلاقات العمل بها، بما ينهي حالة الازدواج التي استُخدمت لسنوات ذريعةً لحرمان العاملين من الحد الأدنى للأجور، على أن يُفسَّر أي غموض لمصلحة العامل باعتباره الطرف الأضعف.
كما طالبت المفوضية بتسوية الأوضاع التأمينية بالقيد الفوري لجميع العاملين غير المقيدين بالتأمينات الاجتماعية، وضم مدد الخدمة السابقة غير المقيدة إلى مدد الاشتراك، وسداد الاشتراكات المستحقة عنها وفقًا لأحكام القانون رقم 148 لسنة 2019، وعلى نفقة الشركة لا العاملين. وقيام وزارة العمل بحملة تفتيش عاجلة على منافذ الشركة بمحافظتي القاهرة والجيزة للتحقق من مدى الالتزام بأحكام قانون العمل وقرارات المجلس القومي للأجور، مع قيام الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بمراجعة السجلات التأمينية للشركة، وحصر العاملين غير المقيدين، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما يثبت من مخالفات. وطالبت كذلك بالتدخل العاجل لكل من وزارة التموين والتجارة الداخلية، بصفتها الجهة التي تتبعها الشركة، والمجلس القومي للأجور بحسم انطباق الحد الأدنى على العاملين بها؛ والمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة بمتابعة أوضاع العاملات المعيلات على وجه الخصوص.