منذ افتتاح المتحف الكبير، شعر المصريون جميعًا بموجة من الفخر والعزة، فالمكان لم يكن مجرد مبنى يضم آثارًا، بل هو تجسيد لروح مصر وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين.
لحظة الافتتاح كانت رسالة للعالم بأن مصر ما زالت قادرة على حفظ كنوزها، وأنها صاحبة التاريخ الأعظم بين الأمم. الإقبال الكبير من الزوار – مصريين وأجانب – كان يفترض أن يكون مؤشرًا على وعي وتقدير لقيمة هذه الكنوز، لكن ما جرى بعد ذلك كان صادمًا ومؤسفًا في آن واحد.
بدلًا من أن يكون المتحف ساحة للاستمتاع بعظمة المعروضات، تحوّل في بعض الأحيان إلى مسرح لفيديوهات تافهة وسلوكيات غير لائقة، تشوه الصورة التي أرادتها مصر لنفسها أمام العالم. رأينا بعض الشباب يلتقطون مقاطع مصورة يسخرون فيها من التماثيل، أو يضعون مستحضرات تجميل على وجوه التماثيل الأثرية، أو حتى يجلسون عليها وكأنها مقاعد في حديقة عامة. تصرفات لا تمت إلى الوعي أو الثقافة أو الاحترام بصلة، بل تمثل استهانة بتاريخ أمة بأكملها.
الأغرب من ذلك أن إدارة المتحف، رغم ضخامة المشروع وقيمته، لم تضع آليات رقابة صارمة داخل القاعات. لم نجد موظفين أو مسئولين متواجدين باستمرار لتوجيه الزائرين، أو للتعامل الفوري مع أي تجاوز. كيف يُعقل أن تُترك آثار لا تُقدّر بثمن عرضة للّمس والتصوير والاستهزاء؟ في أي متحف في العالم لا يمكن أن يقترب الزائر من قطعة أثرية دون حواجز أو رقابة صارمة؟ ما يحدث عندنا أمر لا يمكن تفسيره إلا بالإهمال، وكأنه لا أحد يدرك أن لمس المعروضات جريمة في حق التاريخ، وجريمة في حق الوطن.
وليس الزوار وحدهم من يتحملون المسؤولية، بل إن الخلل يمتد إلى المنظومة السياحية ككل. فبينما تسعى الدولة لجذب السائحين وتقديم صورة حضارية عن مصر، نجد بعض العاملين في القطاع السياحي يسيئون لهذه الصورة بأسلوب تعامل غير مهذب أو باستغلال الزوار.
المبالغة في أسعار الإرشاد أو ركوب الحنطور أو سيارات الأجرة، والأسلوب الفج في البيع والشراء، كلها مظاهر تترك انطباعًا سيئًا لدى السائح وتُفقد المكان هيبته. الأسوأ أن بعض التصرفات تصل إلى ما يشبه التسول المقنّع، مما يشوه جمال التجربة السياحية ويجعل السائح يخرج بانطباع سلبي بدلًا من الإعجاب والانبهار، ولا رقيب.
المشكلة ليست في الأفراد فقط، بل في غياب النظام والتدريب والوعي. العامل في السياحة يجب أن يكون واجهة لبلده، يحمل صورة مشرقة عنها ويعكس احترامها لنفسها ولزائريها.
من المفترض أن تكون هناك برامج تدريبية وإرشادات واضحة، توضح أسس التعامل الراقي، وآداب المكان، وأهمية الحفاظ على سمعة مصر في أعين العالم.