شهدت مدينة جرمانا في ريف دمشق تفجير عبوة ناسفة داخل حافلة، في حادث أمني أعاد ملف التفجيرات والخلايا المسلحة إلى واجهة المشهد السوري، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات أمنية متشابكة منذ سقوط النظام السابق. ويطرح التفجير تساؤلات حول الجهة التي تقف خلفه، وكيف تمكنت من زرع العبوة داخل وسيلة نقل مدنية، فضلًا عن دوافع اختيار جرمانا تحديدًا لتنفيذ العملية.
ولا تقتصر أهمية الحادث على حجم الخسائر أو طبيعة العبوة المستخدمة، وإنما تمتد إلى دلالاته الأمنية والسياسية في منطقة شديدة الحساسية لقربها من العاصمة دمشق وتركيبتها السكانية. كما يفتح التفجير الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن قدرة السلطات السورية على ضبط انتشار السلاح، وملاحقة الخلايا المسلحة، ومنع تحول العمليات المحدودة إلى نمط أمني متكرر يستهدف المدن ومحيط العاصمة.
صراعات أيديولوجية واحتمالات تورط خلايا جهادية
وفي هذا السياق، قال الدكتور بسام أبو عبد الله، الأكاديمي والسياسي السوري، في تصريحات لـ«موقع القصة»، إنه يرى أن التفجير قد يكون مرتبطًا بصراعات أيديولوجية بين التنظيمات الجهادية، بالأخص مع وجود بيانات منسوبة إلى داعش ضد سلطة الشرع. كما أن تكرار التفجيرات ومحاولات التفجير في دمشق وريفها، ومنها حادثة محيط الفندق الذي كان مقررًا أن يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يشير إلى وجود ثغرات واختراقات أمنية.
وأوضح أن إعلان «تنظيم أحفاد الرسول» مسؤوليته عن تفجير جرمانا يحتاج إلى تحقيق، لأن إعلان المسؤولية وحده لا يثبت هوية المنفذين. وبشكل عام، فإن انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة وضعف الاحتكار المؤسسي للعنف يجعل الأمر يتجاوز كونه حادثًا إرهابيًا منفردًا.
وأكد أبو عبد الله أنه لا يمكن الجزم بدوافع المنفذين قبل انتهاء التحقيق، لكن جرمانا ليست اختيارًا عشوائيًا، فهي قريبة جدًا من دمشق ولها تركيبة اجتماعية ودينية خاصة، مع حضور درزي ومسيحي بارز.
جرمانا.. موقع حساس واختبار أمني
ويرى الأكاديمي والسياسي السوري أن استهدافها قد يستهدف إثارة الخوف والاحتقان بين المكونات السورية، وليس فقط إيقاع الضحايا. كما أن قربها من العاصمة يطرح سؤالًا أمنيًا مهمًا حول كيفية تمكن جهة مسلحة من الوصول إلى هدف مدني داخل منطقة يفترض أنها ضمن الحزام الأمني لدمشق.
وأوضح أن وجود العبوة داخل الحافلة وحده لا يثبت وجود مراقبة مسبقة، وأن ذلك يتوقف على نتائج التحقيق. لكن إذا ثبت أن العبوة وُضعت قبل تحرك الحافلة وأن المنفذين كانوا يعرفون مسارها أو توقيتها، فهذا قد يشير إلى وجود استطلاع واختراق محلي.
وأكد أن امتلاك عبوة ناسفة يختلف عن القدرة على إدخالها إلى وسيلة نقل مدنية دون اكتشافها، معتبرًا أن ذلك يضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار حقيقي، لأن نجاح الدولة لا يقاس فقط بالقبض على المنفذين بعد التفجير، وإنما بقدرتها على اكتشاف الخلايا قبل تنفيذ العمليات.
إعلان المسؤولية لا يحسم هوية المنفذين
وقال أبو عبد الله إنه لا توجد أدلة علنية كافية تسمح باتهام جهة محددة، حتى مع إعلان «أحفاد الرسول» المسؤولية. لكنه يرى أن البيئة الحالية تسمح نظريًا لخلايا داعش، وجماعات جهادية أخرى، وخلايا محلية أو مجموعات مرتبطة بصراعات داخلية بتنفيذ عمليات محدودة.
ويربط ذلك بمشكلة أوسع تتعلق ببنية السلطة السورية، معتبرًا أن القيادة الحالية مطالبة بإثبات انتقالها من البيئة الجهادية والفصائلية إلى دولة مؤسسات، بحيث يكون معيار بناء الجيش والأجهزة الأمنية هو المواطنة والكفاءة والقانون، وليس الولاء السابق أو الخبرة القتالية داخل الفصائل.
اختبار أمني وسياسي للسلطة السورية
ويرى الأكاديمي والسياسي السوري أن التفجير يمثل اختبارًا أمنيًا وسياسيًا في الوقت نفسه. فعلى المستوى الأمني، يجب على السلطة إثبات قدرتها على اكتشاف الخلايا قبل تنفيذ العمليات، وعلى المستوى السياسي عليها مواجهة الإرهاب دون استخدامه ذريعة لقمع المجتمع أو استهداف مكونات معينة.
وحذر من تحول التفجير إلى نمط متكرر من العبوات والاغتيالات والهجمات، خاصة مع انتشار السلاح وضعف المؤسسات. لكنه يعتبر أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في عودة داعش، بل في احتمال إعادة إنتاج التطرف داخل البيئة السورية نفسها.
جيش وطني وسلاح تحت سلطة الدولة
ويختتم أبو عبد الله بأن المطلوب هو جيش وطني واحد، وأجهزة أمن مهنية، وسلاح تحت سلطة الدولة، وقانون يطبق على الجميع، معتبرًا أن تفجير جرمانا اختبار حقيقي لقدرة السلطة الحالية على الانتقال من بيئة الفصائل والجهاد إلى دولة مؤسسات.