تتجه أنظار المراقبين للشأن الدولي نحو كواليس التفاهمات المحتملة بين واشنطن وطهران، خاصة عقب ما تسرب مؤخراً عبر التقارير الصحفية الغربية عن إمكانية إبداء الإدارة الأمريكية مرونة لإنهاء المعركة العسكرية دون اشتراط اتفاق نووي جديد، مقابل قيام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة.
غير أن الحسابات الإيرانية المعقدة تجعل من مسألة المقايضة المباشرة أمراً صعب المنال، إذ تعتبر طهران أن الورقة البحرية هي الردع الأخير في مواجهة الضغوط الغربية، ولا يمكن التخلي عنها دون ضمانات استراتيجية واضحة وشاملة.
معادلة طهران تتجاوز التنازل وتعتبر المضيق ورقة الصراع الكبرى
قال خبير الشؤون الإيرانية أسامة حمدي، في حديثه لـ”القصة”، إن المعادلة من الجانب الإيراني تبدو أكثر تعقيداً من مجرد مقايضة بين وقف الحرب وحرية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن طهران تنظر للمضيق باعتباره إحدى أهم أوراق القوة التي تملكها في مواجهة واشنطن، وبالتالي فإن التخلي عنها لن يكون مجانياً أو بلا مقابل.
وأكد حمدي أن طهران تتعامل مع المضيق كجزء لا يتجزأ من منظومة صراع واسعة وشاملة مع الولايات المتحدة، ولا تراه ملفاً منفصلاً يمكن تسويته بمعزل عن بقية الملفات الإقليمية والاقتصادية.
وأوضح خبير الشؤون الإيرانية أن أي تفاهم بشأن إعادة فتح المضيق يرتبط بـ 5 ملفات رئيسية:
إنهاء التهديدات العسكرية: وقف كامل للعمليات العسكرية ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
إلغاء الضغوط الاقتصادية: رفع العقوبات وتأمين وصول إيران لعائداتها النفطية وحريتها في تصدير الطاقة.
الإفراج عن الأموال المجمدة: استرداد الأصول المالية المحتجزة في الخارج.
تقديم ضمانات أمنية ملزمة: حصول طهران على ضمانات تحول دون تجدد المواجهة الأمريكية عقب تقديم أي تنازلات.
المظلة التفاوضية.. كيف توازن إيران بين أوراق الضغط والعبء الاقتصادي؟
وأشار أسامة حمدي إلى أن أهمية المضيق تكمن في قدرته على التأثير المباشر في أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن موقعه الجغرافي الذي يمنح إيران قدرة تشغيلية على التأثير في البيئة الأمنية للخليج.
وأوضح حمدي أن استخدام المضيق كورقة ضغط لا يعني رغبة طهران في إغلاقه دائماً؛ نظراً لأن استمرار القيود يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية عليها، ويدخلها في مواجهات مع القوى المستفيدة من تدفق الطاقة في آسيا وأوروبا.
وأضاف الخبير في الشؤون الإيرانية تفاصيل الحسابات الإيرانية الدقيقة، تحتفظ إيران بالمضيق كورقة ضغط مع إبداء مرونة في إعادة فتحه تدريجياً وفق ترتيبات خطوة بخطوة.
وأكد حمدي أن تجربة الاتفاق النووي السابق جعلت صانع القرار الإيراني يتوجس من الوعود الأمريكية، ويرفض مطلقاً صيغة “فتح المضيق أولاً ثم انتظار التعهدات الأمريكية لاحقاً”، وتصر طهران على تقديم واشنطن لإجراءات ملموسة بالتزامن المباشر مع الخطوات الإيرانية الميدانية.
البُعد الداخلي ومخاوف التنازل.. كيف تصيغ طهران الاتفاق المرتقب؟
أكد أسامة حمدي أن القبول الإيراني بالتفاوض سيشترط ربط الملف البحري بالملف الاقتصادي، لاسيما العقوبات المباشرة على قطاع النفط والقيود المصرفية، لتقديم التنازل كجزء من “تفاهم متبادل” وليس انصياعاً للضغوط.
ولفت حمدي إلى أن أحد أصعب التحديات أمام القيادة الإيرانية يتمثل في البُعد الداخلي وصورة النظام؛ إذ إن التراجع المفاجئ عن القيود الملاحية قد يُ يفسر داخلياً باعتباره استسلاماً وتنازلاً تحت الضغط الأمريكي.
واختتم خبير الشؤون الإيرانية أسامة حمدي حديثه مؤكداً أن طهران تتجه نحو صياغة إعلان إعادة فتح هرمز كجزء من صفقة حزمة واحدة (تحتوي على وقف الحرب، رفع العقوبات، والضمانات الأمنية)، مما يسمح للقيادة الإيرانية بتقديم الخطوة للشارع والمؤسسات باعتبارها تسوية متبادلة حصدت فيها مكاسب استراتيجية، بدلاً من تقديمها كاستجابة للمطالب الأمريكية.