في كل مرة تتأخر فيها المعلومة الرسمية، تبدأ الشائعة في ملء الفراغ. وبين خبر لا يجد مصدرًا موثقًا، وبيان يأتي بعد أن تكون الرواية قد انتشرت، ومواطن يحاول معرفة ما يحدث دون أن يجد أمامه سوى ما يتداوله الآخرون، تتحول أزمة المعلومات من مشكلة تخص الصحفيين إلى أزمة تمس المجتمع كله.
من هذه النقطة يعود ملف “حرية تداول المعلومات” إلى الواجهة، مع تقدم النائبة مها عبد الناصر بمشروع قانون إلى مجلس النواب، وهو ما تراه نقابة الصحفيين امتدادًا لمعركة قديمة من أجل تنظيم حق الوصول إلى المعلومات، بعد سنوات من بقاء هذا الحق دون قانون جامع يحدد بوضوح: ما الذي يجب أن تنشره الجهات العامة؟ وما الذي يحق للمواطن طلبه؟ ومن يقرر أن المعلومة سرية؟ وماذا يحدث عندما ترفض جهة ما الإفصاح عنها؟
البلشي: لا مواجهة للشائعات دون معلومات
يرى خالد البلشي، نقيب الصحفيين، أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات يمثل خطوة مهمة في اتجاه تطوير البيئة التشريعية المنظمة للحق في الحصول على المعلومات، مؤكدًا أن المشروع الذي تقدمت به النائبة مها عبد الناصر إلى مجلس النواب يعبر بدرجة كبيرة عن رؤية النقابة ومطالبها في هذا الملف.
وأوضح البلشي أن النقابة كانت قد أعدت بالفعل مسودة لمشروع قانون حرية تداول المعلومات، كما جرى بحث الملف في إطار أعمال لجنة تطوير الإعلام، مشيرًا إلى أن جانبًا من الأفكار والتوصيات الواردة بالمشروع كان حاضرًا ضمن مناقشات ومخرجات المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين.
وأضاف أن تقديم المشروع رسميًا يمثل خطوة مبدئية ضمن مجموعة من الخطوات التي تعمل النقابة على استكمالها خلال الفترة المقبلة، لافتًا إلى وجود عدد من المشروعات والتعديلات التشريعية الأخرى التي تستهدف تطوير منظومة الصحافة والإعلام.
وأكد نقيب الصحفيين أن النقابة تتطلع إلى دعم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وكل المهتمين بقضايا الصحافة والإعلام، لمشروع قانون حرية تداول المعلومات، موضحًا أن القضية لا ترتبط بمصلحة الصحفيين والمهنة فقط، وإنما تمتد إلى مصلحة المجتمع والدولة بشكل عام.
وشدد البلشي على أن حرية تداول المعلومات تمثل عنصرًا أساسيًا في مواجهة الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، قائلًا:«مافيش محاربة للشائعات إلا لما يبقى في حرية تداول المعلومات، لأن طول ما مافيش حرية تداول معلومات، هيبقى الناس ممكن تطلع تقول أي حاجة مش حقيقية أو مش مظبوطة، وتفضل تعيد وتزيد فيها لحد ما توصل تبقى كأنها حقيقة».
وأشار إلى أن إتاحة المعلومات الرسمية والدقيقة تعد جزءًا أساسيًا من مواجهة انتشار الشائعات، مؤكدًا أن تنظيم الحق في الحصول على المعلومات من خلال تشريع واضح يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير القوانين المنظمة للصحافة والإعلام.
وأكد أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات يمثل خطوة ضمن خطوات أوسع تتبناها النقابة، معربًا عن أمله في استكمال الإجراءات المتعلقة بالمشروع داخل البرلمان، وداعيًا إلى دعم المشروع بما يحقق هدفه في تعزيز إتاحة المعلومات وخدمة الصالح العام.
مها عبد الناصر: غياب المعلومات الموثقة سبب رئيسي في انتشار الشائعات
بالنسبة للنائبة مها عبد الناصر، فإن القضية تبدأ من غياب المعلومات الموثقة، الذي ترى أنه أحد الأسباب الرئيسية وراء انتشار الأخبار والشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
وقالت عبد الناصر إن مشروع قانون حرية تداول المعلومات جاء بعد فترة طويلة من العمل والدراسة، موضحة أنها كانت مهتمة منذ فترة بضرورة وجود تشريع واضح ينظم حق الحصول على المعلومات ويضع إطارًا محددًا لتداولها.
وأوضحت، خلال اجتماع عقد بنقابة الصحفيين، أن مشروع القانون المقدم أمام مجلس النواب جاء بعد تواصل ونقاشات مع عدد من الجهات والمنظمات المهتمة بهذا الملف، مشيرة إلى أنها ناقشت تفاصيل المشروع مع ممثلين عن نقابة الصحفيين، ومن بينهم الكاتب الصحفي محمد بصل، مقرر لجنة التشريعات في المؤتمر العام السادس بنقابة الصحفيين، الذي ساعد في مناقشة عدد من التفاصيل المتعلقة بالمشروع.
وأضافت أن اهتمامها بقانون حرية تداول المعلومات يرجع إلى رؤيتها بأن جزءًا كبيرًا من مشكلة انتشار الأخبار والشائعات والمعلومات غير الدقيقة يرتبط بغياب المعلومات الموثقة، مؤكدة أن إتاحة المعلومات الرسمية والدقيقة من شأنها أن تساعد المواطنين ووسائل الإعلام على تكوين آرائهم واتخاذ مواقفهم على أساس صحيح.
وأكدت النائبة أن غياب المعلومات الموثقة يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتشار روايات غير دقيقة، مستشهدة بما شهدته بعض القضايا مؤخرًا من تداول معلومات غير صحيحة على نطاق واسع، قائلة إن الحل في مثل هذه الحالات يتمثل في إتاحة المعلومات الرسمية والتفاصيل الدقيقة للرأي العام، حتى يستطيع المواطن معرفة الحقيقة بدلًا من الاعتماد على روايات متداولة وغير موثقة.
وأشارت عبد الناصر إلى أن حرية تداول المعلومات لا ترتبط بالصحافة والإعلام فقط، وإنما تمتد إلى ملفات الاستثمار والاقتصاد والبحث العلمي والرقابة الشعبية وصنع القرار، موضحة أن المستثمر الذي يرغب في ضخ أمواله في أحد القطاعات يحتاج إلى بيانات وإحصائيات وتقارير رسمية وموثقة تساعده على اتخاذ قراره.
وقالت إن الاعتماد فقط على البيانات التي تصدرها الشركات لا يكفي، لأن المستثمر يحتاج إلى مصادر مستقلة وموثوقة للمعلومات، مشددة على أهمية أن تكون هناك بيانات دورية ومعلنة يمكن للجميع الوصول إليها، أو على الأقل آلية واضحة تتيح الحصول عليها من الجهات المختصة.
وأضافت أن الحق في الحصول على المعلومات يمتد كذلك إلى الباحثين وطلاب الدراسات العلمية والصحفيين والإعلاميين، فضلًا عن أعضاء مجلس النواب أنفسهم، قائلة:«إحنا كنواب أحيانًا ما بنلاقيش معلومات كافية عن الموضوع اللي عايزين نتكلم فيه، طب أنا هاخد قرار أو أرفض حاجة من غير ما أشوف المعلومات الخاصة بيها؟».
وشددت على أن إتاحة المعلومات لا تعني نشر معلومات سرية أو ما يتعلق بالأمن القومي، وإنما المقصود هو المعلومات العامة التي يحتاج إليها المواطن والصحفي والباحث والمستثمر لاتخاذ قراراته على أساس سليم.
وضربت عبد الناصر مثالًا بالموازنات المحلية، موضحة أن من حق المواطنين معرفة الموازنة المخصصة للمنطقة التي يعيشون فيها وأوجه إنفاقها، معتبرة أن ذلك يمثل أحد أبسط قواعد الحوكمة والشفافية، ويمكن أن يساعد الدولة والحكومة أيضًا في اكتشاف أي مشكلات أو أوجه إنفاق غير مفهومة.
وأكدت أن نشر المعلومات الرسمية والموثقة يمكن أن يساهم كذلك في مواجهة الشائعات، مشيرة إلى أن بعض القضايا التي أثارت جدلًا عامًا شهدت تداول معلومات غير دقيقة بسبب غياب البيانات الرسمية الواضحة.
وتابعت أن إتاحة المعلومات لا تعني أن يكون المواطن مؤيدًا أو معارضًا لقرار معين، وإنما تضمن أن يكون موقفه قائمًا على معلومات كاملة، قائلة:«أنا عايزة حتى نكون رأي، سواء نرفض أو نوافق، بس ناخد المعلومة كاملة الأول».
وأشارت عضو مجلس النواب إلى أن الدولة يمكنها الاستفادة بشكل كبير من تطبيق قواعد واضحة لحرية تداول المعلومات، سواء في مواجهة الشائعات أو دعم الاستثمار أو تعزيز الشفافية والحوكمة، مؤكدة أن الهدف الأساسي هو تمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات العامة الموثقة.
وأوضحت عبد الناصر أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات يستند كذلك إلى مطالب الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين وتوصيات المؤتمر العام السادس للنقابة، مشيرة إلى أن تقديم المشروع إلى مجلس النواب يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وموجهة الشكر إلى الجهات البرلمانية التي ساهمت في دفع المشروع إلى الأمام.
بصل: المشروعات الحكومية السابقة تجاوزها الزمن
أما محمد بصل، مقرر لجنة الحريات والتشريعات بالمؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، فيضع المشروع الحالي ضمن مسار طويل من المحاولات الرامية إلى تنظيم الحق في تداول المعلومات.
وقال بصل إن جميع المخرجات والتوصيات التشريعية التي خرج بها المؤتمر جرى إدراجها ضمن رؤية النقابة لتطوير الإعلام، مؤكدًا توجيه الشكر للنائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، لتبنيها مشروع قانون حرية تداول المعلومات وفتح المجال العام.
وأوضح بصل خلال مؤتمر عقد بالنقابة أن النقابة سبق أن نظمت عددًا من الفعاليات بهدف التواصل مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وتحفيزهم على تبني الملفات التشريعية المرتبطة بحرية الصحافة والإعلام، مشيرًا إلى أن الخطوة الحالية جاءت من النائبة مها عبد الناصر، داعيًا باقي أعضاء البرلمان إلى تبني هذا الملف ودعم مشروع القانون.
وأضاف أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات شهد خلال السنوات الماضية تقديم أكثر من نسخة من جانب الحكومة، إلا أن هذه المشروعات تجاوزها الزمن نتيجة التطورات التشريعية والتكنولوجية المتسارعة، فضلًا عن التطورات الكبيرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، والتي لم تكن موجودة وقت إعداد المسودات الحكومية السابقة.
وأشار مقرر لجنة الحريات والتشريعات إلى أن النقابة كانت في البداية تدرس إمكانية تبني إحدى المشروعات السابقة، إلا أنها رأت أن هذه النصوص لم تعد متوافقة بصورة كاملة مع الواقع الحالي، ولذلك اتجهت إلى إعداد مشروع جديد يستفيد من إيجابيات المشروعات السابقة ويتجاوز أوجه القصور فيها.
وأكد بصل أن مشروع القانون الجديد ينطلق من النصوص الدستورية التي تكفل حق الحصول على المعلومات وحرية تداولها وإتاحتها، إلى جانب وضع ضوابط واضحة للإفصاح عن المعلومات وتجريم حجبها أو الإفصاح عنها بالمخالفة للقانون، موضحًا أن هذه المبادئ تمثل المحاور الأساسية التي يستند إليها المشروع.
جهاز لحماية تداول المعلومات ومسؤول للإفصاح
وكشف بصل عن أن المشروع يتضمن مقترحًا بإنشاء «جهاز حماية تداول المعلومات»، على أن يتم تصميمه بصورة تضمن استقلاليته وقدرته على الرقابة على السلطة التنفيذية، إلى جانب امتداد اختصاصاته إلى الحكومة والقطاع الخاص فيما يتعلق بالحق في الحصول على المعلومات وتداولها.
وأوضح أن من بين المواد المهمة التي يتضمنها المشروع حماية «مسؤول المعلومات»، بحيث يكون مسؤولًا عن عمليات تصنيف المعلومات وتنظيم الإفصاح عنها بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن المشروع يقترح وضع مستويات مختلفة للإفصاح، بحيث تكون هناك معلومات يتعين الإفصاح عنها بشكل دوري، بينما يتم الإفصاح عن معلومات أخرى بناءً على طلبات يقدمها المواطنون أو الجهات المعنية.
وشدد بصل على أهمية إتاحة الوثائق والمستندات العامة، خاصة بالنسبة للعمل الصحفي، موضحًا أن هناك وثائق يجب أن تكون متاحة للرأي العام بشكل واضح، ومن بينها مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة إلى البرلمان ومضابط جلسات البرلمان، بما يسمح للمواطنين والصحفيين والباحثين بالاطلاع عليها والتعامل معها باعتبارها جزءًا من المعلومات العامة.
وأكد أن الهدف من المشروع هو وضع إطار تشريعي حديث يضمن حق الوصول إلى المعلومات وإتاحتها بصورة منظمة، بما يعزز الشفافية ويدعم العمل الصحفي والبحثي، ويتيح للرأي العام الاطلاع على الوثائق والمعلومات التي تساعده على تكوين موقف قائم على بيانات موثقة.