قبل محمد وحسين، كنت أعرف الموت من جهة واحدة: جهة الخبر.
لسنوات، جلست أمام أناس فقدوا أبناءهم وأشقاءهم وأزواجهم، واستمعت إلى رواياتهم عن اللحظة التي انقسمت فيها حياتهم إلى ما قبل وما بعد، كنت أسأل عن آخر مكالمة، وآخر لقاء، وآخر كلمة، وأبحث في التفاصيل عن مدخل يجعل القارئ يرى الإنسان الذي تقف خلف موته حكاية كاملة، كنت أعود إلى جهازي، أرتب شهادات الناس، أراجع التواريخ، أضع الجمل في أماكنها، ثم أضغط زر النشر وأنتقل إلى قصة أخرى.
كنت أعرف أن الموت لا ينتهي لحظة ينتهي الخبر، لكنني لم أعرف ماذا يعني ذلك فعلًا، حتى جاء اليوم الذي وقفت فيه في مطار القاهرة أستقبل جثمان شقيقي محمد نبتت بيتنا الأخيرة.
هناك، للمرة الأولى، لم أكن الصحفية التي تأتي لتعرف ماذا حدث. كنت أختا تنتظر أخاها الذي لن يعود بالطريقة التي انتظرته بها طوال حياته.
لا أعرف كيف يمكن للكلمات أن تصف لحظة كهذه من دون أن تبدو أصغر منها، كل ما أعرفه أنني كنت أتعامل مع حقيقة لا تسمح بأي مسافة مهنية، هذا هو الجثمان الذي جاء من دبي، وهذا أخي، وهذه هي النهاية التي لم أكن مستعدة لرؤيتها مهما حاول العقل أن يتخيلها، تفاصيل اليوم بالكامل لهذه اللحظة عالقة في ذاكرتي.
صندوق كبير جدا حتى أنه أكبر وأضخم من جسد أخي مغلق من جميع الأنحاء، لا يوجد ثغرة واحدة تجعلني القي نظرتي الأخيرة، وقف الصندوق وجميع من حولي شقيقي الآخر المنهار على الأرض، زوجي ميار دنيا منتصر إيمان عز، الجميع يقف بيني وبين أخي، يمنعوني فقط من احتضانه ولو لمرة أخيرة.
تفصيلة قد تبدو عابرة في رواية شخص آخر، لكنها بالنسبة إلي لم تعد تفصيلة، منذ تلك اللحظة، يتردد الصوت الذي يطلب مني وقعي على استلام الجثمان، محمد ذو القامة الطويلة العريضة، بشرته السمراء يداه التي كانت تحاوط العائلة صغيرا وكبيرا، ضحكته وصوته الذي يجعل البيت دائما في حالة تأهب، كل تلك التفاصيل اجتمعت فقط في كلمة “جثمان”، كيف يمكن لشخص أن يختصر كل ذلك في صندوق وجثمان عاجز عن فعل أي شيء.
أخذت أخي من المطار إلى أمي، وهذه جملة يمكن أن تمر على القارئ كأي جملة أخرى، لكنها بالنسبة إلي تحمل ثقلًا لا يمكن شرحه، كيف يأخذ الإنسان أخاه إلى أمه؟ كيف تحمل أم إلى بيتها ابنًا خرج منه يومًا حيًا وعاد إليها جثمانًا؟ وكيف يمكن للبيت نفسه أن يستوعب هذه المفارقة القاسية؛ أن يدخل إليه الجسد الذي كان جزءًا من يومه، بينما صاحبه لن يجلس فيه مرة أخرى؟
منذ ذلك اليوم، لم يعد الموت بالنسبة إليّ واقعة أكتب عنها، صار شيئًا أعرفه من الداخل، صار له مطار، وجثمان، ويدان مربوطتان، وطريق إلى البيت، وأم تنتظر ابنها فلا يأتي إليها كما خرج منها، ولذلك تغيّرت علاقتي بالكتابة.
لم أفقد الرغبة في الكتابة، لكنني فقدت شيئًا آخر أكثر أهمية للصحفي، قدرتي القديمة على التركيز، حتى الآن، أجد ذهني يتشتت في منتصف الجملة، وأقرأ السطر أكثر من مرة من دون أن ألتقط معناه، أجلس أمام الشاشة وفي رأسي أكثر من شيء في الوقت نفسه، ثم أكتشف أنني قضيت وقتًا طويلًا أحدق في صفحة لا أكتب فيها شيئًا.
كأن جزءًا من العقل ظل في ذلك المطار، أو في الطريق إلى البيت، أو في اللحظة التي رأيت فيها أخي للمرة الأخيرة، لا أقول ذلك باعتباره وصفًا أدبيًا للحزن، هذه هي الطريقة التي دخل بها الفقد إلى تفاصيل حياتي، لم يأخذ محمد معه شخصًا أحبه فقط؛ أخذ معه شيئًا من قدرتي القديمة على أن أتعامل مع العالم كما كنت أفعل.
كنت أظن أن الصحفي يحتاج إلى ذاكرة جيدة وتركيز طويل وقدرة على ترتيب الفوضى، ثم اكتشفت أن هناك حزنًا يستطيع أن يجعل العقل نفسه غرفة مزدحمة، لا تعرف أي فكرة فيها طريقها إلى الباب.
وبينما كنت أحاول أن أفهم كيف أعيش مع غياب محمد، جاء حسين، النبته الصغيرة لخالي الكبير، كان شقيقي الأصغير أيضا، لم تنتهي بعد مداعبته لصغيري اتذكر يوم ولادتي وهو يملىء الغرفة ضحك على اسم صغيري ويقول لي” بتصعبيها ليه علينا”، لم تنتهي ضحكات حسين الذي وقف يجمع المال للتصدق على روح أخي، كانه يعلم أنه يجمع هذا المال على روحهما معا، لم يتوقف يوما حسين عن محادثتي، وهو يصبر روحه على فقدنا نجل عمته قبل أن يصبر روحي على شقيقي.
رحيل آخر، قريب أكثر مما يحتمل القلب، كأن الحياة لم تمنحني الوقت الكافي حتى أضع الحزن الأول في مكانه، كنت ما زلت أتعلم كيف أقول “محمد كان” بدل “محمد هو”، فإذا بحسين يدخل هو الآخر إلى صيغة الماضي.
وهنا فهمت شيئًا لم أفهمه طوال سنوات الكتابة عن الفقد، أن الرحيل لا يحدث مرة واحدة، الموت يحدث في لحظته، نعم، لكن الغياب يحدث بعد ذلك مرات لا يمكن عدها، يحدث عندما نمد أيدينا إلى الهاتف لنخبر الراحل بشيء ثم نتذكر أنه لن يجيب، يحدث عندما نرى مكانًا كان يجلس فيه، يحدث عندما نسمع اسمه، يحدث في مناسبة كان يفترض أن يكون حاضرًا فيها، ويحدث، أحيانًا، من دون أي سبب واضح، بينما نحاول فقط أن نكمل يومًا عاديًا.
بعد محمد وحسين، صرت أفهم الناس الذين كنت أراهم في عملي وهم يتحدثون عن موتاهم كما لو كانوا لا يزالون جزءًا من يومهم، كنت أظن أن الذكرى تفعل ذلك، الآن أعرف أن المسألة أعمق من الذكرى، الراحل لا يبقى فينا باعتباره صورة قديمة، يبقى كعادة، كطريقة كلام، كرد فعل نتوقعه منه قبل أن نتذكر أنه لن يفعله، كجملة نريد أن نقولها له، كشخص ما زلنا، في لحظة خاطفة، نعتقد أن بإمكاننا الوصول إليه.
وهنا تحديدًا أدركت أنني كنت أخطئ، مثل كثيرين، حين أتعامل مع الفقد باعتباره شيئًا يجب أن “نتجاوزه”، لا أظن أننا نتجاوز الذين نحبهم، نحن نتعلم فقط أن نعيش من دون حضورهم المادي.
نتعلم أن نضحك من جديد، لا لأننا نسينا، وإنما لأن الحزن ليس الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نثبت بها حبنا لمن رحلوا، نتعلم أن نذهب إلى العمل، وأن ننجز، وأن نتحدث مع الناس، وأن نخطط للغد، بينما هناك جزء من القلب لا يزال واقفًا عند لحظة لم يستطع أن يغادرها بعد، ربما لهذا لم تعد عبارة “الوقت يشفي” مقنعة لي، الوقت لا يشفي بالمعنى الذي كنا نتصوره.
أنا ما زلت أتعلم، ما زلت أفتح الكمبيوتر وأحاول أن أكتب، ثم أفقد تركيزي، ما زلت أقرأ جملة وأجد ذهني ذهب إلى مكان آخر، ما زلت أحيانًا أبدأ في عمل ثم أتوقف لأن صورة قديمة أو ذكرى عابرة قطعت الطريق بيني وبين ما كنت أفعله.
وربما هذا أيضًا جزء من الحداد الذي لا يظهر في صور العزاء ولا في كلمات النعي، أن يتغير أداؤك في الأشياء التي كنت تتقنها، أن تصبح الجملة أثقل، أن يحتاج التركيز إلى مجهود، أن تشعر أن عقلك حاضر أمام الناس، لكنه في مكان آخر تمامًا.
الآن أعرف، أعرف أن وراء كل خبر موت بيتًا سيظل ينتظر شخصًا لن يعود، وأمًا قد تظل عيناها تبحثان عن ابنها وسط الوجوه، وأخًا أو أختًا سيتذكران، في أكثر اللحظات عادية، أنه كان يمكن أن يكون هنا.
وأعرف أيضًا أن الراحلين لا يجب أن تختصرهم الطريقة التي ماتوا بها، محمد ليس الجثمان الذي استقبلته في المطار، وحسين ليس خبر رحيله، كلاهما حياة كاملة سبقت النهاية؛ أيامًا وأحاديث وضحكات وأشياء صغيرة لا يعرف معناها إلا من عاشها معهما، وهذا تحديدًا ما أريد أن أقاومه في الكتابة عنهما، أن يصبح الموت أقوى من الحياة التي سبقته، لا أريد أن أتذكر محمد من خلال آخر صورة فقط، ولا حسين من خلال آخر خبر.
أريد أن أتذكرهما كما كانا قبل أن تصبح كلمة “رحل” هي الفعل الذي نستخدمه حين نتحدث عنهما، ربما هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها أن الصحافة نفسها مدينة للناس الذين نكتب عنهم بشيء أكبر من نقل ما حدث، أن نترك للإنسان حياته كاملة، لا نهايته فقط.
وأن نفهم أن وراء كل “فقيد” شخصًا كان يومًا حاضرًا في تفاصيل أحدهم، وأن وراء كل جنازة بيتًا سيحتاج بعد انتهاء الناس من التعزية إلى أن يتعلم كيف يعيش من جديد.
الموت ينهي حياة، أما الغياب، فيبدأ بعدها، لله ما أخذ، ولله ما أعطى، اللهم ارحم محمدًا وحسين، واغفر لهما، وأنر قبريهما، وآنس وحشتهما، واربط على قلوبنا نحن الذين بقينا.
أما أنا، فسأظل أكتب عن الموت بحذر أكبر، ليس لأنني صرت أعرفه أكثر، بل لأنني عرفت أخيرًا أن وراء كل خبر موت حياة كاملة، وأن الذين يكتبون عنها من الخارج لا يرون إلا جزءًا صغيرًا جدًا مما يحدث في الداخل.