يُعاد اليوم رسم الخارطة الجيوسياسية للمشرق العربي بالقوة تحت لافتة الدفاع المؤقت عن أمن إسرائيل، في حين تشير الحقائق على الأرض إلى تغييرات هيكلية دائمة يُراد فرضها كأمر واقع، ومن المرتفعات الوعرة في جنوب سوريا إلى التلال الممتدة في جنوب لبنان يتشكل واقع جغرافي جديد، فبذريعة تأمين حدودها الشمالية وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية لتتجاوز التكتيكات الأمنية إلى توغل بري وتمدد استراتيجي مدروس.
إن ما نشهده اليوم ليس مناورة عسكرية عابرة بل هو هندسة ممنهجة لتوسع جيوسياسي دائم يحدث عيانًا بيانًا أمام أعين مجتمع دولي ممزق وعاجز أو حتى متواطئ عن إنفاذ أبسط مبادئ القانون الدولي، ولنكن واضحين إن هذا الاختراق الإسرائيلي لحدود الدول الأخرى هو عمل باطل وغير شرعي جملة وتفصيلًا ويمثل اعتداءً صارخًا على سيادة دول الجوار يضرب بعرض الحائط أسس النظام العالمي المعاصر.
تهجير 1.2 مليون لبناني: محو الأرض والبشر!
لفهم الأهداف الحقيقية لإسرائيل يجب النظر أولًا إلى التحول المادي والجغرافي الذي تلحقه بالأراضي المحتلة والمخترقة، وعلى مدار الأشهر الماضية ارتكزت العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل أساسي على سياسة الأرض المحروقة والتهجير الشامل والتدمير الممنهج للبلدات والقرى.
في جنوب لبنان تحول الهدف المعلن المتمثل في دفع حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني إلى جريمة حرب إنسانية كارثية حيث تم التهجير القسري لأكثر من 1.2 مليون مواطن لبناني من قراهم ومدنهم لتتحول الحواضر النابضة بالحياة إلى مساحات خاوية مدمرة، ومن خلال أوامر الإخلاء الأحادية والقصف السجادي المعروف بمصطلح كاربت بومبينج وتجريف القرى الحدودية تبدو الاستراتيجية واضحة والمبنية في الظاهر على حجة حماية مستوطنيها في الشمال! فإذا كانت إسرائيل لا تستطيع إسكان مستوطنيها في الشمال بأمان فإنها ستضمن جعل جنوب لبنان بالكامل منطقة غير قابلة للحياة البشرية، وهذا الحزام الأمني لا يصنع باتفاقيات دبلوماسية بل عبر هندسة ديموغرافية ومحو عمراني في انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقاب الجماعي والاستيلاء على الأراضي بالقوة.
الاستراتيجية الكبرى: رسم ممر السيطرة من الليطاني إلى التنف!
إن هذا التوغل في أراضي دول ذات سيادة ليس عشوائيًا ولا وليد الصدفة بل يكشف عند ربط النقاط الجغرافية للتقدم الإسرائيلي ببعضها عن مخطط جيوسياسي مرعب وخطير، فالهدف النهائي لإسرائيل على الأرض هو ربط الجغرافيا لخلق ممر متصل ومرتكز للسيطرة العسكرية يربط الأراضي والمحاور في جبهة استراتيجية واحدة وممتدة.
هذا الممر يبدأ من ساحل البحر المتوسط المطل على جنوب لبنان ويسير عرضًا بمحاذاة نهر الليطاني وربما نهر الأولي ويتقاطع مع الحدود اللبنانية السورية ثم الصعود والارتكاز على قمة جبل الشيخ السوري الاستراتيجي ثم الهبوط في الجنوب السوري والسيطرة على محافظتي القنيطرة ودرعا مرورًا بمحافظة السويداء حتى الوصول لمثلث التنف الرابط بين الحدود السورية والأردنية والعراقية.
نقطة الارتكاز جبل الشيخ تبدأ هذه الاستراتيجية من تثبيت وتوسيع المواقع العسكرية في المرتفعات الاستراتيجية الحاكمة لجبل الشيخ أو جبل حرمون حسب ما تطلق عليه إسرائيل واستغلال ارتفاعه الشاهق لتأمين تفوق استخباراتي ورصد عسكري مطلق يكشف البقاع اللبناني والعمق السوري على حد سواء.
محور الجنوب السوري يمتد فيه قوس السيطرة الإسرائيلية من هذا الرأس الجبلي مباشرة إلى الجنوب السوري ليتحرك بشكل ممنهج عبر جبهتي القنيطرة ودرعا من خلال عمليات التوغل وإقامة النقاط الدفاعية المستحدثة.
الاندفاع نحو الشرق لا تقف فيه الطموحات الإسرائيلية عند خطوط وقف إطلاق النار القديمة بل يظهر المسار رغبة واضحة في التمدد شرقًا عبر محافظة السويداء وصولًا في نهاية المطاف إلى الهدف الأبعد شرقًا وهو منطقة التنف الاستراتيجية في البادية.
عبر قضم هذا القوس الجغرافي المتصل لا تقوم إسرائيل بحماية حدودها بل تقوم بقطع أوصال الجغرافيا السياسية لدولتين عربيتين بهدف فرض حق فيتو عسكري دائم على منطقة المشرق العربي وتحويل الأراضي السورية واللبنانية إلى خطوط دفاع متقدمة تابعة ومستباحة لجيشها.
الفراغ العالمي وتآكل شرعية القانون
يتحرك هذا التمدد الإسرائيلي مستغلًا حالة من الفراغ الدولي غير المسبوق، فالنظام العالمي الحالي الذي تأسس في الأصل لمعاقبة التمدد التوسعي ومنع احتلال أراضي الغير بالقوة يمر بحالة شلل تام وضياع لبوصلته الأخلاقية والقانونية.
إن مجلس الأمن الدولي المكبل بالصراعات الجيوسياسية الكبرى والحماية الدبلوماسية المستمرة التي توفرها القوى الغربية لإسرائيل وعلى رأسها دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا عجز تمامًا عن تقديم أي رد رادع، وما انهيار هيبة وتأثير قوات اليونيفيل في جنوب لبنان إلا دليل صارخ على هذا التآكل، ولقد أصبح القانون الدولي وتحديدًا القرارات الأممية والمعاهدات الدولية يعامل كإطار استشاري اختياري وليس كعقد عالمي ملزم.
وفي المقابل تبدو القوى الدولية الكبرى إما مشغولة بملفات وصراعات في جبهات أخرى أو متواطئة عبر الصمت العاجز، وبسبب الفشل الجماعي في وضع حد حاسم لهذا التوغل الفج في أراضي لبنان وسوريا يرسخ العالم اليوم سابقة خطيرة تؤكد أن القوة تصنع الحق وأن حيوات 1.2 مليون مهجر لبناني من أهل الجنوب يمكن القفز فوقها دون عواقب وأن سيادة الدول أصبحت رهنًا بقدراتها العسكرية لا بحماية القانون.
وهم الأمن المؤقت
إن المغالطة الكبرى التي تسقط فيها العقيدة العسكرية الإسرائيلية الراهنة هي المراهنة على أن التوسع الجغرافي والاختراق غير القانوني للحدود يمكن أن يمنحها أمنًا دائمًا، لكن التاريخ يثبت دائمًا العكس فاحتلال إسرائيل السابق لجنوب لبنان والذي دام 18 عامًا وانتهى عام 2000 لم ينه التهديدات بل ولد واحتضن شبكات مقاومة أكثر شراسة وتنظيمًا وعنادًا.
إن تفريغ الدول السيادية من الداخل وتدمير البنى التحتية للمدنيين وتشريد الملايين هو الوصفة المثالية لضمان عدم الاستقرار المستدام، فهذه السياسة لا تنهي دوامة الصراع بل تعيد فقط تموضع خطوط المواجهة وتزيدها اشتعالًا.
الحدود المفتوحة
ختامًا يجب أن نتوقف عن النظر إلى التوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان وجنوب سوريا كعمليات رد فعل منفصلة أو مناوشات مؤقتة، بل إنها أجزاء أصيلة من عقيدة هجومية متكاملة تهدف إلى إعادة صياغة حدود المنطقة عبر فرض أمر واقع عسكري يخالف تمامًا جوهر القانون الدولي.
وطالما بقي المجتمع الدولي مجرد متفرج يكتفي ببيانات القلق الجوفاء دون تقديم أي ردع حقيقي وملموس فإن شرعية النظام الدولي ستستمر في الانهيار، حيث إن تمدد التوغل الإسرائيلي هو نذير شؤم لملامح عالم جديد بلا قوانين وعالم تصبح فيه حدود الدول آمنة فقط بمقدار ما تملكه من سلاح ويترك فيه الضعفاء تمامًا تحت رحمة القوة الغاشمة دون حسيب أو رقيب.