بالطبع، أنصف قرار دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس تلك الفئة، وأنهى معاناة أولياء أمورهم، ووضع حدًا لحيرتهم الشديدة في مواجهة مسؤولي المدارس الحكومية والخاصة والدولية.
وأنهى عصر العبارة التي كانت تصطدم في وجه أي ولي أمر: «لا نقبل حالة ابنك»، فلم يعد بإمكان أحد ترديد هذه العبارة الآن.
فعقب صدور القرار، شاهدت أمًّا لطفل كفيف يرتدي زي المدرسة، ممسكًا بيد والدته، ويتحسس الأرض بقدميه بحرص شديد، وكأنه يخرج من منزله لأول مرة، بينما ترتسم السعادة على وجه أمه، فقد وجدت له أخيرًا مكانًا في المدرسة.
الآن، تعالوا معي لنهبط إلى أرض الواقع.. ماذا بعد القرار؟!
من واقع تجربتي كأم لطفل متوحد، أرى أنه لا بد من العمل على تحقيق الهدف من القرار، حتى لا يوضع الطفل ككمٍّ مهمل في الفصل، فلا ينظر إليه مدرس الفصل ولا يعيره اهتمامًا، ويواصل عمله مع بقية الأطفال، تاركًا هذا الطفل في عالمه الخاص، دون تفاعل أو تعامل أو محاولة لتعليمه.
ولا أخفيكم، فقد أصبح المدرس، مع هذا القرار، مطالبًا بتحقيق التوازن بين منهج لا بد أن ينتهي منه، وبين طفل يحتاج إلى معاملة خاصة، وتأَنٍّ وصبر وذكاء وخبرة وقدرة على الاستيعاب.
لا بد من تنمية ملكة الإبداع لدى المدرس، وصقل موهبة الابتكار لديه؛ من أجل الموازنة بين الأمرين.
ويرد أحد المدرسين قائلًا: «لست سوبر مان لكي أبدع في وقت محدد، وأنتهي من منهج مطالب بتدريسه للطلاب.. كيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل كثافة الفصول؟!».
نعم، لديه كل الحق.. كيف يمكن تحقيق ذلك بما يضمن استفادة الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، دون فرض ضغوط إضافية على المدرس، تجعله غير قادر على إفادة هذا الطفل أو بقية الطلاب؟
لنكن واقعيين، القرار رائع، وحل كثيرًا من مشكلاتنا نحن أولياء أمور تلك الفئة، التي لا يمكن تجاهلها الآن في ظل تزايد أعدادها، ولكن لا بد من دعم القرار باستعدادات تسهّل هذه المهمة وتحقق الغرض منها.
كيف ذلك؟!
لا بد من وجود فريق متخصص للتعامل مع تلك الحالات، إلى جانب مدرس الفصل؛ فهذه الحالات تحتاج إلى أخصائي نفسي، وأخصائي اجتماعي، وأخصائي تنمية مهارات، وأخصائي تخاطب، وأخصائي تعديل سلوك. وحسب عدد الحالات، قد يتطلب الأمر زيادة أعداد المتخصصين، لتشكيل فريق متكامل يتعاون في التعامل مع هذه الفئة وتعليمها، بما يُحدث تغييرًا ملموسًا في قدراتها.
والحمد لله، لدينا خريجون كثر في تلك المجالات؛ فكل عام يتخرج آلاف الطلاب من كليات الطفولة والتربية وآداب، وأقسام علم النفس وغيرها، ممن يتمنون الحصول على فرصة عمل.
إذن، يمكن فتح باب استقبال هؤلاء المتخصصين للعمل في المدارس، سواء الحكومية أو الخاصة أو الدولية، لنكون قد «ضربنا عصفورين بحجر واحد»: التعامل الأمثل مع تلك الحالات، وتوفير فرص عمل لعدد من الشباب الذين ينتظرون هذه الفرصة.
أما الأمر الأهم من وجهة نظري، فهو استحضار الرحمة في التعامل مع هذه الحالات؛ فكثيرًا ما نجد في حياتنا الآن أشخاصًا «يمشون على أعصابهم» و«يطيقون ملابسهم بالكاد».. هؤلاء لا بد من إبعادهم عن التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة؛ فهذه الفئة تحتاج إلى أشخاص يحبونها ويتقبلونها بحالتها، ويستوعبون احتياجاتها، فهذا حق أصيل لها.
فالدمج الناجح ليس مجرد وضع كرسي لطالب ذي إعاقة في فصل دراسي عادي، بل هو تهيئة البيئة والعقول والقلوب لاستقباله بحب واحترافية.