الحرية شغلت كثيرًا من الساسة والمفكرين والفلاسفة وغيرهم، ووقف الجميع على عتباتها باعتبارها طريق الخلاص.
وكما يقال: الحر يعيش كما يريد، والعبد هو من يعيش كما يريد الآخرون.
الحرية ليست هبة تُمنح، بل حالة وعي وممارسة، وحالة من التوازن والحفاظ على القيم والثوابت. الحرية هي العيش الكريم والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
الحرية طريق الديمقراطية، والديمقراطية أهم المذاهب السياسية، بل هي الإطار العملي لحماية الحرية. وهي التي تفتح أبواب السماء لينهمر الرخاء. فمن يصنع الحرية؟ ومن يقيدها؟ ومن ينشدها؟ ولماذا تختبئ دائمًا ولا نراها؟
أليست الحرية هي أن أتخذ قراري بنفسي، وأن أتحرر من كل القيود التي تكبلني، وأستطيع أن أقول وأفعل ما أشاء، وأكتب وأتعلم وأناقش وأعترض وأصرح وأتصرف كيفما شئت، وأنا آمن على ما أفعل وما أقول؟
أن أحترم الشرع والقانون والدستور والأخلاق والقيم، وألتزم بكل العادات والآداب، فحريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.
الحرية ليست فوضى، والديمقراطية ليست إثمًا أو سُبّة حتى ننشدهما، طالما نحترم الدستور والقانون ونسير تحت راية العلم.
فلماذا تظل الحرية عزيزة وبعيدة المنال؟
هل العيب في السياسة، أم في الدستور الذي كفلها وحماها، أم في السياسيين، أم في البشر الذين فسروها طبقًا لتفسيراتهم؟
يقولون إن السياسة هي فن حكم البشر، فهل فشلت السياسة؟ أم فشل السياسيون؟ أم أنها ليست ضمن مقررات الحكام؟ أم عدنا إلى عصر قيصر، الذي خطب في أهل روما فأشادوا به وعبدوه بحماسة؟ فهل كان العيب في أهل روما الذين حكمهم قيصر كالعبيد، بعد أن منحوه مواكب النصر؟
أعتقد أن العيب فينا، كما يقول شيشرون، الفيلسوف والخطيب الروماني الشهير، وأحد عظماء روما السبعة في نظري، في نظريته:
الفقير هو من يعمل، والغني هو من يستغل الأول، والجندي هو من يدافع عن الاثنين، والمواطن هو من يدفع للثلاثة، والكسول هو من يعيش على حساب الأربعة، والسكير هو من يشرب في صحة الخمسة، والمصرفي هو السارق للستة، والمحامي هو من يغش السبعة، والطبيب هو قاتل الثمانية، وحفار القبور هو من يدفن التسعة، والسياسي هو من يعيش على العشرة.
كما قلت، فإن السياسة هي فن حكم البشر، أو فن الممكن، أو طريقة تطويع الأشياء. ومن الواضح أن البشر في أي مجتمع هم من يقررون كيف يُحكمون وكيف تُدار أمورهم؛ فهم من ينتخبون رجل السياسة، وهم من يفوضون الحاكم ويختارونه، وهم من يقررون مصيرهم بأنفسهم، وهم أصحاب السلطات جميعها، لكنهم يمنحونها ولا يمارسونها، ولا يشاركون في اتخاذ القرار بعد اختيارهم، وتلك هي الآفة الكبرى.
فلو قرر البشر، وهذا الجمع على أي أرض، أن يحددوا مصيرهم بأنفسهم، لوجدنا العدالة وأُقيم العدل.
نحن في مجتمعاتنا العربية لا نبحث عن الحرية ولا الديمقراطية، وإنما نبحث عن السلام النفسي، وعن توافر أساسيات الحياة من مأكل ومشرب ورعاية صحية واجتماعية، ثم نؤثر السلامة، فالقادم لا يعنينا، ونحن لسنا فاعلين، ونتحول بفعل الخوف والقلق إلى مفعول به.
نرى في الحكومات وحوشًا كاسرة قادرة على فعل كل شيء وأي شيء، وفي المقابل، يبدو المواطنون عاجزين، ينتظرون دائمًا من الحكومة أن تتحرك، وأن تتكلم، وأن تطمئنهم.
في القرى والمدن، لا يشغل بال المواطنين ماذا فعل رئيس الحكومة في يومه، أو مع من اجتمع، أو ما الاتفاقيات التي وقعها، أو التعليمات التي أصدرها؛ فلا شيء من ذلك يهم، وإنما ينتبهون فقط عندما يصدر قرار يمس استقرارهم وجيوبهم، وهنا فقط ينتبهون.
لدينا سلطات ثلاث، ودستور وقانون وإعلام وحكومة ومحافظون ومسؤولون كثر في كل الأرجاء، يتحدثون ويصدرون البيانات والتصريحات الوردية، مؤكدين أننا نعيش في مجتمع الفضيلة والنهضة والتقدم، ونحن نصدق، رغم أن ظروفنا تأبى أن تصدق ما يقولون؛ لأننا نحن من يعاني. ومن المؤكد أن هؤلاء يعيشون في عالم مختلف عن عالمنا، لكننا تكيفنا مع الوضع، ولم نعد نصدق أو نهتم.
فالتعليم جيد، ولن نكذبهم، والاقتصاد بخير، بينما نحن نعاني، والسياحة في تقدم، والصناعة تواكب لغة العصر. وكان يجب عليهم أن يسبقوا تصريحاتهم بعبارات مثل: نأمل ونتمنى وندعو الله أن يحقق كل ما أردناه. وفي اليوم التالي، نجدد التصريحات ونجدد الحكايات، لتبقى حكاية لم تُحكَ، ومن الواضح أنه لن تُكتب لها نهاية، طالما أردنا ذلك.
المواطن، رغم مرارة المعاناة التي يعيشها والواقع المؤلم الذي يعيشه، يعمل في صمت، ويسير في صمت، ويفكر في صمت، ويصرخ في صمت، بينما لا تكف الحكومة يوميًا عن الإشادة بالإنجازات، في تحدٍّ صارخ لواقع المواطن.