تتقاطع خيوط التوتر في القرن الإفريقي لتفتح باباً أمام تطور استراتيجي خطير؛ حيث عرضت الجهات السودانية الرسمية مؤخراً ملفات وبيانات تفيد باتهام إثيوبيا بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت محطات للكهرباء ومنشآت حيوية للوقود داخل الأراضي السودانية، مستندة إلى أدلة تشير إلى انطلاق تلك المسيرات من العمق الإثيوبي.
وفي الوقت الذي يغيب فيه الرد الإثيوبي الرسمي على هذه الاتهامات، وتتخلف التحققات المستقلة عن حسم الوقائع بصورة نهائية، يطرح هذا الملف تساؤلات ملحة حول ما إذا كنا أمام تحول في طبيعة الحرب السودانية لتتجاوز حدودها الداخلية إلى مواجهة إقليمية عابرة للحدود، تزيد من هشاشة الاستقرار وتضع دول الجوار وعلى رأسها مصر أمام مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد.
أدلة مسارات الطيران، ومخاطر التصعيد قبل اكتمال التحقق
وفي قراءة تحليلية دقيقة لطبيعة هذه الاتهامات ومحاذيرها الميدانية، قال آلان بوسويل، المتخصص في الصراعات الإقليمية، لـ “القصة” إن تبادل الاتهامات بين السودان وإثيوبيا يمثل تطوراً مقلقاً في منطقة تعاني بالفعل من تداخل النزاعات المسلحة والتنافس الإقليمي.
وأوضح بوسويل أنه إذا ثبت أن هجمات المسيّرات التي استهدفت منشآت سودانية انطلقت بالفعل من الأراضي الإثيوبية، فسيكون ذلك تطوراً يتجاوز حدود الحرب الداخلية السودانية ويفتح الباب أمام مواجهة ذات أبعاد إقليمية. ورغم ذلك، شدد الخبير الإقليمي على أن تحديد المسؤولية لا يمكن أن يستند إلى موقع انطلاق الطائرات وحده؛ إذ يتطلب الأمر التحقق بدقة من مسارات الطيران، وطبيعة المسيّرات، والجهة التي شغّلتها، والأدلة المادية التي تربطها بمؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن وجود نشاط عسكري داخل أراضي دولة ما لا يثبت تلقائياً أن حكومتها أصدرت أوامر بتنفيذه.
وحذر آلان بوسويل من أن الخطورة الكبرى تكمن في أن استمرار الهجمات والاتهامات المتبادلة قد يدفع الطرفين إلى اتخاذ إجراءات عسكرية أو أمنية تصعيدية حتى قبل اكتمال التحقق من الوقائع، مؤكداً أن احتواء الأزمة يتطلب تحقيقاً مستقلوسيطرة وقنوات اتصال مباشرة تمنع تحول الشكوك إلى مواجهة مفتوحة.
تحول الحرب الداخلية إلى تهديد عابر للحدود وتداعياته على مصر وإريتريا
من جانبه، أورد مايكل وولدماريام، الباحث في شؤون القرن الأفريقي،”للقصة” تحليلاً عميقاً لكيفية توظيف تكنولوجيا المسيرات في إعادة رسم خريطة الصراعات؛ حيث أشار إلى أن أزمة السودان وإثيوبيا تظهر كيف يمكن للحرب الداخلية أن تتحول إلى مصدر تهديد يتجاوز حدود الدولة التي اندلعت فيها، نظراً لأن المسيرات تمنح أطراف النزاعات قدرة تدميرية على استهداف البنية التحتية من مسافات بعيدة، بينما يظل تحديد الجهة المشغلة أو إثبات المسؤولية السياسية والعسكرية أمراً بالغ الصعوبة.
وأوضح وولدماريام أنه إذا ثبت استخدام الأراضي الإثيوبية منصة لشن هجمات على السودان، فسيكون لذلك تأثير مباشر وملموس على حسابات الأمن القومي السوداني، وقد يدفع الخرطوم إلى التعامل مع إثيوبيا باعتبارها طرفاً أصيلاً في النزاع لا مجرد دولة مجاورة، مستدركاً بأن هذا السيناريو يظل مشروطاً بإثبات الوقائع وتحديد طبيعة الدور الإثيوبي، سواء كان رسمياً أو ناتجاً عن فاعلين آخرين غير رسميين.
ولفت الباحث الإقليمي إلى أن التداعيات المحتملة لا تقتصر بحال على البلدين فحسب، بل إن استمرار التصعيد قد يهدد استقرار القرن الإفريقي بأسره، ويزيد الضغوط الجيوسياسية والأمنية على الدول المجاورة وفي مقدمتها مصر وإريتريا، خصوصاً إذا ارتبطت الأزمة بتنافس أوسع على الحدود والنفوذ والممرات الملاحية الاستراتيجية.
واختتم مايكل وولدماريام تصريحه بالتأكيد على أن القضية الأساسية لا تقتصر على معرفة مصدر المسيّرات، بل تتعداها لتحديد ما إذا كانت الهجمات جزءاً من تصعيد ممنهج عابر للحدود، وما إذا كانت القنوات الدبلوماسية قادرة على كبح جماح هذا التمدد قبل خروجه عن السيطرة.