يستمر تصاعد المواجهة العسكرية في شبه الجزيرة العربية ليعيد طرح أسئلة محورية تتجاوز نطاق الحدث الميداني المباشر إلى عمق المفاهيم الاستراتيجية والعسكرية؛ حيث يتردد في الشارع العربي تساؤل جوهري حول كيفية قدرة “جماعة مسلحة” على مواصلة استهداف دول تمتلك ترسانات عسكرية وإمكانات دفاعية متقدمة، وما إذا كانت كثرة الهجمات دليلاً على أزمة دفاع جوي أم نمطاً جديداً من حروب الاستنزاف غير المماثلة (اللا متناظرة).
كما تفرض التحركات الدبلوماسية والعسكرية المتلاحقة، وتفعيل الترتيبات الإقليمية ومذكرات الدفاع المشترك، نقاشاً واسعاً حول نجاعة التحالفات العسكرية وأبعادها الحقيقية: هل أُسست للتصدي الميداني الفعلي والأولوي المباشر، أم أنها صُممت بالأساس كأدوات ردع سياسي ومعنوي؟ وهي التساؤلات التي تفتح الباب أمام قراءة مستقبل الاستقرار الإقليمي بين خيارات التهدئة وسيناريوهات الصراع المفتوح.
كلفة الاعتراض وحرب المسيرات لا تعني قصور الدفاع الجوي
قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ “القصة”، إن استمرار الهجمات لا يعني بالضرورة وجود قصور في منظومة الدفاع الجوي؛ لكون التعامل مع الهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة يمثل تحدياً عسكرياً معقداً، خصوصاً عند استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة التكلفة.
وأوضح فرج أن الدفاع الجوي لا يعتمد فقط على امتلاك منظومات متطورة، و إنما أيضاً على القدرة على اكتشاف التهديدات مبكراً، وتحديد مساراتها، والتعامل معها في الوقت المناسب؛ مشيراً إلى أن اعتراض جميع الهجمات يظل أمراً صعباً من الناحية العملياتية، إذ تتفاوت التهديدات في سرعتها وارتفاعها واتجاهاتها، غير أن تكرار الهجمات يطرح تساؤلات بشأن مدى فاعلية منظومة الإنذار المبكر، والتنسيق بين وسائل الدفاع، وقدرة الردع على منع تكرار الاعتداءات من الأساس.
وحول كيفية استمرار جماعة مسلحة في استهداف دولة تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، أكد الخبير العسكري أن الفارق في القدرات العسكرية لا يمنع بالضرورة الجماعات المسلحة من تنفيذ هجمات متكررة؛ لكون هذه الجماعات تعتمد على أساليب غير تقليدية، وتستفيد من انخفاض تكلفة بعض الأسلحة مقارنة بتكلفة اعتراضها؛ فقد تكون تكلفة الطائرة المسيرة أو الصاروخ أقل بكثير من تكلفة الصاروخ الاعتراضي المستخدم لإسقاطه، وهو ما يفرض ضغوطاً مالية وعملياتية على منظومات الدفاع، يضاف إليها تعدد مصادر التهديد وتوقيت الهجمات.
وشدد فرج على أن كفاءة الدفاع لا تُقاس فقط بعدد الهجمات التي جرى اعتراضها، بل أيضاً بمدى حماية المنشآت الحيوية، وتقليل الخسائر، والحد من قدرة الجهة المهاجمة على تكرار عملياتها.
وعن السيناريوهات المستقبلية ومخاطر اتساع المواجهة، أشار اللواء سمير فرج إلى إمكانية تصور عدة مسارات فى النقاط التالية:
المسار الأول: استمرار المواجهة ضمن نطاق محدود، مع تعزيز الدفاعات الجوية وتكثيف الضغوط العسكرية والسياسية لاحتواء الهجمات.
المسار الثاني: توسيع نطاق الضربات ضد مواقع إطلاق الهجمات أو البنية العسكرية المرتبطة بها، بما قد يرفع مستوى المواجهة ويزيد احتمالات الرد المتبادل.
المسار الثالث والأكثر تعقيداً: دخول أطراف إقليمية أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال الدعم العسكري أو تبادل المعلومات أو تقديم الإسناد اللوجستي.
واختتم فرج حديثه بالتأكيد على أن احتمال اتساع الصراع يرتبط بعدة عوامل، أبرزها حجم الرد السعودي وأهدافه، وطبيعة رد الحوثيين، ومواقف الأطراف الإقليمية، ومدى فاعلية الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن توسيع العمليات العسكرية قد يحقق أهدافاً تكتيكية، لكنه يحمل أيضاً مخاطر زيادة التصعيد وصعوبة احتوائه.
تحذير من استنزاف الأمة ورؤية نقدية للتحالفات الإقليمية
من جانبه، قدم الدكتور حامد جبر، المحلل السياسي، “للقصة”، قراءة سياسية وفكرية ذات طابع قومي تحذيري؛ حيث أشار إلى أن “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، مشدداً على وحدوية الدم والعرض والأرض العربية، و متسائلاً بأسى عن كيفية صنع الأيدي العربية لما عجز أعداء الأمة عن تحقيقه، والتبارى في تنفيذ مشاريع تعود بالسلب على مستقبل أبنائها.
وأوضح جبر أنه لا يمكن تفضيل الدم السعودي عن الدم اليمني، مؤكداً أن التاريخ سيحاسب الجميع على الصمت والضعف وفقدان الإرادة في مواجهة ما يحدث، ورافضاً أي تفسير تنطق به الأبواق الإعلامية للوقوف مع طرف ضد آخر في صراع المستفيد الأكبر منه هو الكيان الصهيوني والغطرسة الأمريكية.
ولفت المحلل السياسي إلى أن التحالفات الإقليمية الجارية والمراجعات السياسية تسير وفق أهواء ومآرب من وقعوا على أوراق “لا تساوي الحبر الذي كتبت به”، جازماً بأن باكستان وتركيا تحكمهما أهداف مغايرة للتطلعات العربية.
وأكد جبر أن إسلام آباد لن تشارك في عمليات ميدانية ولن تضحي بمصالحها أو علاقاتها مع إيران وستكتفي بالتنديد والترتيبات الدفاعية، في حين أن الدور التركي لن يتجاوز السماح أو التسهيل اللوجستي للتعامل مع المليشيات دون انخراط بري مباشر، مستبعداً دخول القوات التركية أو الباكستانية في حرب برية داخل اليمن.
وتساءل حامد جبر في ختام حديثه عن غياب الدور الفاعل لجامعة الدول العربية والحكام العرب، مشدداً على أن الخروج من هذه الكارثة والأزمة الكبرى يستوجب عودة القيادة الحقيقية والرؤية القومية الشاملة لوقف نزيف الدم العربي والحفاظ على مقدرات المنطقة.