يخضع المشهد الإقليمي في شبه الجزيرة العربية لاختبارات استراتيجية واقتصادية بالغة الدقة؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات الميدانية على وقع الهجمات المستمرة بالطائرات المسيرة والصواريخ التي تستهدف المنشآت الحيوية والمطارات السعودية والتي خلفت تداعيات بشرية مؤلمة شملت وقوع ضحايا وإصابات بين مدنيين ومقيمين، بينهم مواطنون أجانب تتشكل معادلة جديدة في إدارة الردع العسكري وحماية الأمن القومي للمملكة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي والعسكري، برز موقف إسلام آباد الواضح عقب تجديد باكستان في 11 أكتوبر التزامها الراسخ بأمن واستقرار السعودية مستندة إلى “اتفاق الدفاع المشترك” الموقع في مكة، وذلك بالتزامن مع إعلان وزارة الخارجية الباكستانية في التاسع من الشهر ذاته بأن القوات الباكستانية المتواجدة في المملكة تقتصر مهمتها على الدفاع عن الأراضي السعودية، ولن تعبر الحدود لشن عمليات هجومية داخل اليمن ضد الحوثيين.
يأتي هذا في وقت جدد فيه الحوثيون تهديدات هم لشركات الطيران والمسافرين باستخدام المطارات السعودية، بينما تقف الأسواق المالية وبيئة الأعمال أمام تساؤلات ملحة حول مصير استثمارات المنطقة في ظل هذه الاختبارات الأمنية المتلاحقة.
تعديلات تكتيكية قصيرة الأجل
وفي مقاربة تحليلية لواقع الأسواق المالية وتأثير الاضطرابات الجيوسياسية على بيئة الأعمال، قال أحمد سليم، مدير الاستثمار والمستشار الاستثماري في شركة “بايدر للاستثمارات”، لـ “القصة”، إنه من الطبيعي أن يتوخى المستثمرون الحذر خلال فترات التوترات الجيوسياسية، وهو ما تشهده المنطقة منذ فبراير 2026.
وأكد سليم أنه على الرغم من حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة بأكملها نتيجة المخاطر الجيوسياسية المتعددة، فقد مثلت السعودية شريان حياة للاقتصادين الإقليمي والعالمي خلال هذه الأوقات المضطربة، وبالتالي قد يتوخى المستثمرون الحذر ويجرون بعض التعديلات التكتيكية على خططهم، لكن أهمية الاقتصاد السعودي و متانته ستبقيان ثقة المستثمرين على المديين المتوسط والطويل مستقرة.
وفيما يتعلق بالقطاعات الأكثر تأثراً، أوضح الخبير الاستثماري أن التعديلات التكتيكية تعد أمراً طبيعياً في مثل هذه الظروف، متوقعاً أن تتأثر بعض القطاعات بشدة على المدى القصير، مثل السياحة والضيافة والخدمات المرتبطة بهما، بينما قد يشهد قطاع السلع الاستهلاكية نمواً مشابها لما حدث خلال جائحة كورونا، وإن كان بوتيرة أقل.
وحول النظرة المستقبلية للآفاق الاقتصادية، أشار أحمد سليم إلى أنه لا يزال من المبكر استخلاص نتائج نهائية بشأن التوقعات الاقتصادية، مع إبرازه أن المقومات الأساسية للسوق والاقتصاد السعودي لم تتغير، فالمملكة تمثل بوابة رئيسية بين الشرق والغرب، وشريانًا أساسيًا لسلاسل الإمداد العالمية، وركيزة لا غنى عنها لإمدادات الطاقة العالمية.
ولفت المستشار الاستثماري إلى أن السعودية تتمتع بتركيبة سكانية شابة وقادرة على الصمود، فضلًا عن مكانتها الاستثنائية لدى المسلمين حول العالم بفضل الحرمين الشريفين؛ مؤكداً أن هذه العوامل الأساسية تشكل المحرك الرئيسي للتوقعات الاقتصادية للمملكة.
واختتم أحمد سليم حديثه بالتأكيد على أنه على الرغم من أن التوترات الإقليمية والمخاطر الجيوسياسية تؤثر سلباً على المدى القصير والمتوسط، فإن هذه المقومات الاستراتيجية ستظل المحرك الأساسي لآفاق الاقتصاد السعودي على المدى الطويل.