دخلت أزمة أمن الطيران المدني والملاحة الجوية الدولية في الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد؛ عقب تصاعد التهديدات الناجمة عن الطائرات المسيرة والصواريخ المتطورة وشبكات التشويش الراداري على أنظمة تحديد المواقع (GPS)، وهو ما ألقى بظلاله المباشرة على حركة الملاحة بين القارات وفرض تحديات استخباراتية وتنظيمية غير مسبوقة على شركات الطيران العالمية.
وأصبحت شركات الطيران المشغّلة للرحلات الدولية بين أوروبا وآسيا تفاضل بين خيارات تشغيلية وأمنية صعبة، في ظل تزايد المخاطر التشغيلية عبر الممرات الجوية الإقليمية، وما يترتب على تعديل المسارات من أعباء مالية ولوجستية تتصل بالوقود، وشروط التأمين، وساعات عمل أطقم الطيران، وتوافر المطارات البديلة للمناورة والهبوط الاضطراري.
وترسم التحليلات الاستخباراتية المتخصصة في أمن المخاطر الجوية صورة دقيقة لآليات اتخاذ القرار داخل غرف العمليات بالشركات العالمية، مع تسليط الضوء على سيناريوهات التحول من ممرات المنطقة إلى “الممر الشمالي” الذي يواجه بدوره تحديات جيوسياسية وميدانية معقدة.
تقييم متعدد المستويات للمخاطر وتجنب متوقع للممر الجوي السعودي
وفي تقييم وتحليل شامل لخارطة التهديدات ومستقبل الملاحة الجوية، قال ماثيو بوري، كبير مسؤولي الاستخبارات بشركة “أوسبري لفلايت سلوشنز” (Osprey Flight Solutions) المتخصصة في أمن واستخبارات الطيران، لـ “القصة”، إن التقييمات الحديثة تعتمد بدرجة أكبر على المعلومات الاستخباراتية المتغيرة باستمرار، ومدى الصواريخ، ومناطق إطلاق الطائرات المسيرة، ونشاط الدفاعات الجوية، والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
وأوضح بوري أن التغيير الرئيسي يكمن في السرعة التي يمكن أن يتدهور بها الوضع الأمني؛ إذ بات اتخاذ القرار يعتمد بصورة متزايدة على تقييم متعدد المستويات للمخاطر، بدلاً من الاكتفاء بمعرفة ما إذا كانت السلطات قد أغلقت المجال الجوي رسمياً أم لا.
وأشار كبير مسؤولي الاستخبارات بشركة “أوسبري” إلى أن شركات الطيران تأخذ في الاعتبار النشاط العسكري، ومسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإشعارات الطيارين المتعلقة بالملاحة الجوية (NOTAMs)، وإرشادات الجهات التنظيمية، وأمن المطارات، وشروط التأمين، ومخاوف أطقم الطائرات، والخيارات المتاحة لتحويل مسار الرحلات.
ولفت بوري إلى أن الشركات المشغّلة تعيد تقييم مسار الطائرة ووجهتها واحتياجاتها من الوقود ووضعها التأميني على الفور؛ حيث قد تُبقي الرحلات على الأرض، أو تؤجلها، أو تغيّر مساراتها، أو تحوّلها إلى مطارات أخرى، بينما تتلقى الأطقم تعليمات تشغيلية محدّثة، كما أن القيود المفروضة على الحركة الجوية يمكن أن تؤدي إلى ازدحام في المسارات البديلة.
وأضاف أنه غالباً ما يمكن تعديل خطط الطيران خلال دقائق أو ساعات، خاصة قبل الإقلاع، لكن تنفيذ التعديلات أكثر صعوبة؛ إذ يتعين على الشركات تأمين مطارات بديلة مناسبة، وتوفير الوقود، وضمان الالتزام بساعات عمل الأطقم، وترتيبات الخدمات الأرضية، والحصول على مواعيد الإقلاع والهبوط، وتصاريح التحليق فوق الدول الأخرى، موضحاً أن المسارات الأطول قد تؤدي إلى تجاوز القيود المتعلقة بالحمولة أو الوقود، في حين قد تفتقر المطارات التي تُحوّل إليها الرحلات إلى الإمكانات اللازمة للتعامل مع الشحن الجوي.
وحول التأثير على حركة الطيران الدولي والركاب، أكد ماثيو بوري أن الاضطرابات الأخيرة تفرض ضغوطاً كبيرة على مسارات الرحلات الجوية بين أوروبا وآسيا عبر منطقة الشرق الأوسط.
وأفاد بوري بأن الممر الجوي السعودي بات معرضاً للمخاطر، ومن المتوقع أن تبدأ بعض شركات الطيران في تجنّب استخدامه، مشيراً إلى أن ذلك سيدفع مزيداً من الحركة الجوية إلى ما يُعرف بـ «الممر الشمالي»، الذي يمر فوق البحر الأسود وبحر قزوين وآسيا الوسطى.
وشدد الخبير الاستخباراتي في أمن الطيران على أن هذا الممر البديل يواجه بدوره مجموعة من المشكلات، منها امتداد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى منطقة البحر الأسود وبحر قزوين، وعدم وجود خدمات مراقبة للحركة الجوية فوق المجال الجوي الأفغاني، فضلاً عن النزاع عبر الحدود بين أفغانستان وباكستان.
واختتم ماثيو بوري حديثه بالقول إنه يتعين على الشركات المشغلة تعديل مسارات رحلاتها بمرونة وفقاً للتطورات؛ لضمان استمرار عملياتها في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير، الذي تتداخل فيه أزمات عدة عبر مناطق مختلفة من العالم.