لم تكن السنوات الأولى من عمر لولا دا سيلفا، الرئيس البرازيلي، تبشر برجل يحتل المقعد الأكبر في بلاده. حيث كان يعيش رفقة والدته وأخواته الـ8 في كوخ على أطراف مدينة، يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. ولم يكن أحد يتخيل أن يخرج من هذا الكوخ رجلا يشتغل بالسياسة. ويصبح رئيسا للبرازيل ويتمكن من النهوض بها، ويضعها في مصاف الدول المتقدمة.
من بائع في ميناء سانتوس، ثم ماسحا للأحذية، عَمِل لولا في الكثير من الأعمال البسيطة من أجل مساعدة أسرته بالمال. وكان متفوقا بالمدرسة، والتحق بمعهد للتدريب المهني، وفر له عمل كخراط في مصنع. وكان الأهم من الراتب الذي تقاضاه عن العمل بالمصنع احتكاكه بالعمال، واكتشاف أزماتهم وحراكهم. كذلك متابعة إضرابهم عن العمل من أجل حصولهم على رواتبهم، ومهاجمتهم لصاحب العمل بسبب سياساته المعادية للعمال.
التحق لولا عام 1968 بنقابة عمال المعادن. وفي العام التالي خاض انتخابات إدارة النقابة، رغم اعتراضات الأسرة خشية تعرضه لبطش الرئيس العسكري، كوستا دي سيلفا. حيث حَكَم البرازيل بشكل دكتاتوري غير مسبوق، شمل تضييقا على النقابات، لاسيما العمالية منها. وتمكن لولا من الفوز في الانتخابات عام 1969.
تعرض لولا لحادث إنساني جعله يضع تقديم الخدمات للفقراء أولوية لديه، لاسيما الطبية منها. حيث فقد زوجته الأولى وجنينها بسبب مرضها وعدم تلقيها الرعاية الطبية اللازمة. ليعمل مديرا لقسم التأمينات والمساعدات الاجتماعية بالنقابة. وفي عام 1975 يخوض انتخابات رئاسة نقابة عمال المعادن، وحصد 92% من أصوات الأعضاء الذين بلغ عددهم 100 ألفا.
كان الخطاب الذي ألقاه لولا فوز فوزه الأشد ضراوة في انتقاد التضييق على حريات وحقوق العمال. الأمر الذي ردت عليه السلطات باعتقال أخيه، لكنه لم يتراجع عن موقفه المناهض لتقييد الحريات. واستمر في نفس دربه. وقال لولا وقتها إن الاعتداءات التي تعرض لها شقيقه أحدثت ثورة في عقله، وجعلته لا يخشى أي شيء.
أعيد انتخاب لولا دا سيلفا عام 1978 رئيسا للنقابة بنسبة 98% من الأصوات. ليقود في عام 1979 إضرابا عماليا شاملا بمشاركة نحو 80 ألف عامل. فيصدر قرارا بعزله من منصبه النقابي، ويعترض أعضاء النقابة على القرار. وبناءً عليه، اضطرت الحكومة للتفاوض مع لولا خلال 15 يوما من بدء الإضراب. ونجح في الحصول على زيادة في الأجور بنسبة 60%، وتمكن من العودة لمنصبه.
في مطلع الثمانينيات فكر لولا أن حقوق العمال وظروفهم لن تتحسن في ظل بقاء الحكم العسكري لبلاده، ليؤسس حزب العمال. ما جعل السلطات تعتقله لمدة شهر، لكن الاعتقال جاء وبالا على السلطات، خصوصا بعد وفاة والة لولا خلال حبسه. حيث اضطرت قوات الأمن لخروجه وسط إجراءات أمنية مشددة لتشييع والدته. وتفاجأ لولا بحضور الآلاف لمراسم التشييع، التي سرعان ما تحولت إلى ثورة في وجه الأمن تطالب بالإفراج عن لولا. لتضطر الحكومة للانصياع للضغوط الشعبية، والإفراج عنه خلال أيام.
وفي عام 1982، تم الاعتراف رسميا بحزب العمال، ليصبح له الحق في خوض الانتخابات العامة. لكن الحزب فشل في أولى انتخاباته في ولاية ساو باولوا، ما جعل لولا يفكر في اعتزال العمل السياسي. لكن صديقه الزعيم الكوبي فيدل كاسترو جعله يتراجع عن هذه الفكرة ويستكمل نشاطه، ليتمكن الحزب عام 1985 من الفوز بحكم مدينة فورتاليزا، متمثلا في عضوته ماريا لويزا فونتانيل. ثم فوز لولا نفسه في انتخابات مجلس النواب الفيدرالي عن ولاية ساو باولو، وحصد نحو 660 ألف صوتا.
وفي عام 1989 خاض لولا انتخابات الرئاسة للمرة الأولى ضد المرشح اليميني فرناندو دي ميلو الذي فاز بالمقعد لرئاسي، بينما حصل لولا على نحو 31 مليون صوتا، كانوا اللبنة الأولى لحراكه فيما بعد. حيث ظهر تورط دي ميلو في قضايا فساد، ليخوض لولا زعيم المعارضة آنذاك حملة قوية ضده جعلته يضطر للتنحي عن الحكم عام 1992.
خاض لولا الانتخابات الرئاسية التالية عام 1994 ولم يحالفه الحظ، وحل ثانيا بنسبة أصوات 27%. ثم خاضها للمرة الثالثة عام 1998 ولم يوفق أيضا. تغير الأمر في انتخابات 2002 التي وصل لولا من خلالها لكرسي الحكم للمرة الأولى بعد حصد 61.5% من أصوات الناخبين. ليصبح أول رئيسا يساريا يصل للحكم في تاريخ البرازيل الحديث. ويبدأ تنفيذ برامج العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر في بلاده.
ألقى لولا دا سيلفا خطابه الأول أمام مجلس النواب البرازيلي بعد فوزه بالمقعد الرئاسي، وقال: “إذا استطاع كل برازيلي في نهاية ولايتي تناول 3 وجبات في اليوم فستكون مهمة حياتي قد أُنجزت”.
وفي عام 2006 فاز لولا بولاية ثانية بنسبة 60% من الأصوات، ليستكمل برنامج الإصلاح الاقتصادي خاصته.، وسط نموا اقتصاديا ملحوظا في الداخل والخارج. وطالبته الجماهير بتعديل الدستور للاستمرار في الحكم، لكنه رفض احتراما للدستور.
وفي مفاجأة من العيار الثقيل، صدر حكما بالسجن عام 2017 ضد لولا في قضايا فساد – قيل أنها مزعومة وملفقة – وفي 2018 شددت محكمة الاستئناف العقوبة ضد لولا الذي بدأ في تنفيذها بالفعل، وقضى 18 شهرا في السجن، ما منعه من مباشرة حقوقه السياسية، لكن المحكمة العليا قررت الإفراج عنه للطعن في آليات التنفيذ المباشر للعقوبة قبل استنفاد كل درجات التقاضي.
وفي 2021 أسقطت المحكمة العليا كل التهم الموجهة للولا، وألغت الإدانات بحقه، وأوضحت أن القاضي الذي حكم عليه في البداية كان منحازا ضده، ويسير وفقا لأجندة سياسية. ليتمكن لولا من مباشرة حقوقه السياسية مجددا، ويخوض منافسة الانتخابات الرئاسية عام 2022، ويفوز في الجولة الثانية بنحو 51% من الأصوات، رغم تغير الخريطة الانتخابية والتصويتية للبرازيل.
ونجح لولا في الفوز بولاية رئاسية هي الرابعة تاريخيا، وتنتهي في 2030، في جولة الإعادة التي أجريت أمس “الأحد”. حيث تفوق على منافسه السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، وحصد أصوات 64 مليونا و256 ألفا و232 من مواطنيه. ليؤكد ما وصفه به أقرانه بأنه الرئيس الأكثر شعبية على وجه الأرض.