تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر 2026، في ظل تأثير أسعار الوقود وتكاليف المعيشة على الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على شعبية الإدارة الأمريكية وفرص الحزب الجمهوري في الحفاظ على أغلبيته داخل الكونجرس.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز على أسواق الطاقة، تبرز تساؤلات بشأن إمكانية تحول أسعار النفط والبنزين إلى أداة ضغط سياسي على واشنطن، ومدى قدرة التطورات الدولية على التأثير في خيارات الناخب الأمريكي، خصوصًا إذا ارتبطت الأعباء الاقتصادية بتراجع الثقة في إدارة ترامب وسياساتها الخارجية.
أسعار الوقود.. ورقة ضغط انتخابية
يرى الدكتور باباك إيماميان، الكاتب والباحث السياسي في الشؤون الأمريكية، أن ارتفاع أسعار الوقود قد يمثل تحديًا انتخابيًا مهمًا أمام الجمهوريين، بالنظر إلى تأثيره المباشر على تكاليف النقل والخدمات اللوجستية والإنتاج، وما يترتب عليه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة الأعباء على المستهلكين والشركات.
ووفقًا لهذه القراءة، فإن استمرار ارتفاع أسعار الديزل والبنزين قد يدفع الناخبين إلى تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية تدهور أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما يمكن أن يمنح الحزب الديمقراطي فرصة لتعزيز موقعه في انتخابات التجديد النصفي.
ويشير هذا الطرح إلى أن أسعار الطاقة لا تتحدد وفق العوامل الاقتصادية وحدها، بل يمكن أن تتحول إلى قضية سياسية ترتبط بتقييم الناخبين لأداء الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، فإن استفادة بعض الأطراف الدولية من تراجع شعبية ترامب لا تعني بالضرورة أنها تتعمد رفع أسعار الوقود لتحقيق أهداف انتخابية داخل الولايات المتحدة.
المصافي الروسية.. خلاف يتجاوز ساحة الحرب
وفي ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، يسلط إيماميان الضوء على تداعيات استهداف منشآت تكرير النفط الروسية، معتبرًا أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة قد تسهم في زيادة الضغوط على أسواق الوقود، بما ينعكس على الحسابات السياسية الأمريكية.
ويأتي ذلك في ظل حساسية أسعار البنزين لدى الناخبين الأمريكيين، إذ يمكن أن تتحول الزيادة المستمرة في تكاليف الوقود إلى نقطة ضعف يستغلها الديمقراطيون في مواجهة الجمهوريين خلال الانتخابات النصفية.
كما يثير استمرار الهجمات على المصافي الروسية تساؤلات بشأن الخلافات بين إدارة ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في ضوء ما أورده إيماميان بشأن مطالبة ترامب بوقف استهداف هذه المنشآت واستمرار الهجمات رغم ذلك.
ويرى الباحث أن مثل هذه الخلافات قد تترك أثرًا في علاقة الإدارة الأمريكية بالقيادة الأوكرانية، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات. لكن تحديد حجم تأثير الهجمات على أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة يتطلب مراعاة عوامل أخرى، تشمل أسعار النفط العالمية، وحجم المعروض، والطلب، وتكاليف التكرير والتوزيع.
مضيق هرمز.. سلاح إيران للضغط على واشنطن
وعلى صعيد المواجهة مع إيران، يرى إيماميان أن القيادة الإيرانية قد تسعى إلى استغلال موقع مضيق هرمز الاستراتيجي لإحداث اضطرابات في أسواق الطاقة، بما يزيد الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة في مرحلة حساسة سياسيًا.
ويشير إلى أن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبر المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، بالنظر إلى أهميته في نقل إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار الوقود داخل السوق الأمريكية.
ويضيف أن استهداف القوات والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة قد يحمل، إلى جانب أهدافه العسكرية، أبعادًا سياسية مرتبطة بمحاولة إظهار أن إدارة ترامب تواجه صعوبات في تحقيق أهدافها، بما قد يؤثر في ثقة الناخبين بقدرة الرئيس على إدارة الصراعات الخارجية.
ويعتبر إيماميان أن هذا الرهان يعكس، من وجهة نظره، سوء تقدير إيرانيًا لتوازنات السياسة الأمريكية، خاصة إذا افترضت طهران أن زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستؤدي تلقائيًا إلى إضعاف ترامب انتخابيًا.
أزمة الرهائن عام 1980.. هل يتكرر الرهان الإيراني؟
ويربط إيماميان حسابات القيادة الإيرانية المحتملة بشأن انتخابات التجديد النصفي بتجربة أزمة الرهائن عام 1980، التي تزامنت مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية وأسهمت في تعقيد المشهد السياسي المحيط بالرئيس جيمي كارتر.
ويرى الباحث أن الرهان على توظيف الأزمات الخارجية للتأثير في السياسة الأمريكية قد يمثل امتدادًا لنمط من الحسابات التي لا تأخذ في الاعتبار بصورة كافية طبيعة المؤسسات الأمريكية، وتعدد العوامل المؤثرة في سلوك الناخبين، وقدرة واشنطن على تعديل سياساتها وفقًا للضغوط.
وفي هذا الإطار، يشدد التحليل على ضرورة تقييم قدرة إيران على مواصلة المواجهة من خلال مجموعة من العوامل العملية، تشمل القدرات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، والإنتاج الصناعي، والموارد المالية، والاستراتيجية العسكرية، وكفاءة القيادة والسيطرة، بدلًا من التعامل مع النظام الإيراني باعتباره طرفًا قادرًا على تحمل الضغوط دون حدود.
وتكتسب هذه العوامل أهمية خاصة عند تقييم قدرة طهران على مواصلة عملياتها العسكرية والحفاظ على إمداداتها ومواردها في ظل الاستنزاف. كما أن تقدير قدرة النظام على الصمود يختلف عن تقدير قدرته على تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
هل يخسر الجمهوريون الكونجرس؟
في المحصلة، تظل العلاقة بين أسعار الطاقة ونتائج انتخابات التجديد النصفي مرتبطة بمدى استمرار الضغوط الاقتصادية، وكيفية تفسير الناخبين لها، وقدرة الحزب الجمهوري على إقناعهم بفاعلية سياسات الإدارة الأمريكية.
وقد تمنح زيادة أسعار الوقود الديمقراطيين فرصة لتوجيه انتقادات إضافية إلى ترامب، لكن النتائج الانتخابية ستتأثر كذلك بعوامل أخرى، من بينها الأوضاع الاقتصادية العامة، والقضايا الداخلية، ونسب المشاركة، وأداء المرشحين في الدوائر المتنافسة.
وبينما قد تراهن طهران على أن إطالة أمد المواجهة ورفع تكلفتها الاقتصادية سيؤثران في الموقف الأمريكي، فإن تحويل هذه الضغوط إلى مكاسب انتخابية للديمقراطيين ليس نتيجة مضمونة. فالتحدي الحقيقي أمام إيران يتمثل في قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بينما يواجه ترامب اختبارًا سياسيًا يتعلق بقدرته على إدارة الأزمات الخارجية دون أن تتحول تكلفتها إلى عبء على حزبه في صناديق الاقتراع.