على صفيح ساخن تقف هُوِيَّةُ الدولة المدنية في مصر أمام اختبارها الأصعب منذ إقرار الدستور، حيث تجاوز مشروع قانون الأحوال الشخصية كونه تشريعًا لتنظيم شؤون الأسرة ليتحول إلى ساحة معركة معلنة بين السلطة التشريعية والمؤسسات الدينية، وفي قلب هذا الاشتباك المعقد الذي يهدد بتآكل الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان لصالح تمدد نفوذ الأزهر تفتح الصحفية منال لاشين عبر هذا الحوار للقصة خزانة الأسرار السياسية والدستورية للأزمة، مقدمة تشريحًا جريئًا لموقف الحكومة المتردد وصمت الأحزاب وعجزها عن المواجهة، لتضع النقاط على الحروف بشأن مستقبل هذا القانون الشائك وسيناريوهات تأجيله التي قد تكلف المجتمع ثمنًا باهظًا من استقراره ومدنيته، فإلى نص الحوار.
ماذا يكشف الجدل حول قانون الأحوال الشخصية عن العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة التشريعية في مصر؟
تكشف الحقيقة ما هو أعمق من ذلك، وهو أننا أخطأنا كمجتمع حينما تساهلنا في النص الدستوري على مدنية الدولة في 2014، واعتبار أن فكرة مدنية الدولة رفاهية يمكن تأجيلها. كما أننا أخطأنا حينما لم نعد المادة 2 في الدستور إلى أصلها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر والتي كانت تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع، والتي تم تعديلها في 71 لتصبح مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع في عهد الرئيس أنور السادات. فكانت فرصة إرجاعها إلى أصلها في 2014 كخطوة فقط وإن كان لابد أن تنص صراحة على مدنية الدولة. إضافة إلى ضرورة وجود توسع في المادة 7 المتعلقة بمؤسسة الأزهر، جزء من هذا التوسع كان لابد أن يكون في نص القانون فيما يخص طريقة اختيار شيخ الأزهر وطبيعة مؤسسة الأزهر، لكن ينص الدستور في القانون على أنها مؤسسة مستقلة تكفل لها الدولة كافة الإمكانيات وشيخ الأزهر غير قابل للعزل. وذلك في رأيي يعطي ثقلًا لبعض المؤسسات. كما أنني أرى أن هناك توسعًا في دور المؤسسة الدينية بقانون الأحوال الشخصية سواء في مؤسسة الأزهر أو في الكنيسة الأرثوذكسية مع كامل احترامي للمؤسستين. وفي الحقيقة نحن أمام قانون مدني والتداخل بين ما هو ديني ومجتمعي قليل جدًا، كما أن المادة 2 تقول مبادئ الشريعة الإسلامية فإذا وجد نص يرى الأزهر الشريف أنه يخالف ذلك أن يكون هناك آية قرآنية أو حديث شريف حتى لا يقال إننا نريد إلغاء السنة لكن ما دون ذلك هو اجتهاد فقهي، وإذا لم يكن هناك نص بذلك فعلى الأزهر أن يفتح باب الاجتهاد للمسلمين.
تطرحين دائمًا سؤال مدنية الدولة، كيف أعاد الجدل الحالي حول القانون فتح هذا الملف من جديد؟
ما أراه أن الأوان قد حان لننظر لما يحدث في قانون الأحوال الشخصية، سواء للمسلمين أو المسيحيين في إطار تعزيز مدنية الدولة وكان عدم سحب مشروع القانون خطوة إيجابية، لأن سحبه كان سيرسخ لفكرة الدولة الدينية، لكن في المقابل أرى أن الحكومة لم تكن متحمسة لإقرار القانون خلال هذه الدورة البرلمانية. والدليل على ذلك أن مشروع القانون للمسلمين والمسيحيين أحيلا للبرلمان في وقت متأخر من الدورة البرلمانية، على الرغم من حجم مشروع هذا القانون الذي يحتاج وقتًا طويلًا للمناقشة. كما أن الحكومة فصلت المواد المتعلقة بصندوق تنمية الأسرة وأحالتها إلى مشروع قانون مستقل ما يعكس إدراكها لاحتمالية تأخر القانون لعام أو عامين داخل اللجان البرلمانية والحوار المجتمعي. لكن تأجيل مواجهة الأزمات لا يساعد في حلها بل يؤدي إلى تفاقمها، فاليوم نشهد أشكالًا أكثر تعقيدًا من المشكلات الأسرية، سواء في قضايا النفقة لدى المسلمين أو أزمات الزواج والطلاق لدى المسيحيين، لذا أرى أن الجدل الحالي لا يتعلق فقط بقانون الأحوال الشخصية، بل يعيد طرح سؤال مدنية الدولة ودورها في التعامل مع هذه القضايا المجتمعية الملحة.
كيف تؤثر المكانة الدستورية للأزهر وفق المادة السابعة على مبدأ الفصل بين السلطات في مناقشات قانون الأحوال الشخصية؟
تنص هذه المادة من الدستور على أن الأزهر المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية وليس الوحيد، لذا على الرغم من أن هذه المادة كانت محل رفض وقلق من المثقفين المدنيين لكنها لا تغلق باب الاجتهاد على الأزهر فقط، كما أرى أن هذه المادة تقرأ بشكل أوسع من نطاقها فتمنح المؤسسة الدينية مساحة أكبر فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، وجزء من الإشكال أن بعض التفاصيل المتعلقة بمؤسسة الأزهر قد تكون في القانون وليس الدستور مثل كيفية اختيار شيخ الأزهر وطبيعة المؤسسة، كما أن وضع التفاصيل في الدستور يخلق ثقلًا زائدًا للمؤسسة ويعطي لها حضورًا ممتدًا في النقاش التشريعي، لذا لابد من وجود توازن بين احترام مكانة الأزهر وأن السلطة التشريعية حق برلماني فقط
كيف تقيمين تعامل الأحزاب والقوى السياسية مع موقف الأزهر من مشروع القانون؟
حقيقة، الأحزاب التي يقال عنها يسارية أو ليبرالية، لا أظن أنها تملك القدرة في دخول مواجهة مباشرة في هذا الملف، وكنت أتمنى أن تتمسك الأحزاب والنواب بدور البرلمان باعتباره صاحب الولاية الوحيدة على التشريع. لكن طبيعة المجتمع والمناخ العام ومخاوف النواب على الانتخابات القادمة، تجعل المواقف الحادة شبه غائبة كما يتضح ذلك في غياب أي رد فعل سياسي قوي على بيان الأزهر. كما أن الأزهر الشريف كان قد أعد مشروعًا متكاملًا للأحوال الشخصية، في حين قدمت الحكومة مشروعًا آخر، وهو ما يخلق ما يمكن وصفه بحالة من تعارض المصالح أو الوضع التشريعي التنافسي. فحين تكون لدى مؤسسة ما رؤيتها ومشروعها الخاص، يظل مطروحًا التساؤل حول كيفية تقييمها أو دعمها لمشروع تشريعي آخر يختلف مع ما قدمته هي نفسها. إضافة إلى اعتقادي بوجود غموض في تأخر بيان الأزهر الشريف حوال 60 يومًا رغم أن المشروع كان مطروحًا.
أشرتِ إلى إدراك الحكومة مسبقًا لصعوبة تمرير القانون فما هي أبرز مؤشرات ذلك، وهل يعكس فصل صندوق تنمية الأسرة عن المشروع الأساسي اعتبارات سياسية أو تشريعية تتعلق بآليات تمويله؟
أول مؤشر هو أن الحكومة فصلت صندوق تنمية الأسرة عن مشروع القانون الأساسي، والمؤشر الآخر أن القوانين أحيلت في وقت متأخر من الدورة البرلمانية مما يجعلني أرى أن الحكومة لم تكن لديها رغبة حقيقية في تمرير القانون خلال هذه الدورة، حيث يهدف الصندوق إلى معالجة جانب النفقة ودعم الأسرة حال تهرب أحد الأطراف أو تأخر الحكم، لكن فكرة تمويله من خلال التبرعات أو المؤسسات الخيرية مثل بيت الزكاة أرفضها تمامًا لأن هذه المؤسسات لديها أعباء كبيرة بالفعل، ولابد أن يأتي التمويل من الضرائب أو القطاعات الاقتصادية التي تحقق أرباحًا كبيرة مثل البنوك والاتصالات وغيرها.
ما السيناريو الأقرب لمستقبل مشروع قانون الأحوال الشخصية، وهل يتجاوز الخلاف الدائر حدود التشريع ليصل إلى موقع المؤسسات الدينية داخل المجال العام؟
أرى أنه سيتم تأجيل مناقشة القانون داخل البرلمان، والبرلمان هو صاحب الولاية التشريعية وله الحق في إدارة الجدول واستدعاء جلسات الاستماع من الأزهر والكنيسة وكافة الأطراف، لكنني ضد فكرة اللجان الخارجية أو أن تتولى المراجعة أي جهة غير البرلمان ففي النهاية المشروع ملك البرلمان وصاحب القرار فيه، وبالتأكيد فالموضوع أوسع من القانون نفسه ليتجاوز فكرة المنافسة الدينية نحو محاولة جادة للوصول إلى حلول توافقية تحفظ المجتمع وتحترم الدين في ذات الوقت.
لماذا ترفضين تمويل صندوق تنمية الأسرة من المؤسسات الخيرية والدينية؟ وما البديل؟
لأن تلك المؤسسات لديها ضغط كبير في مجالات أخرى مثل الصحة والفقر والتعليم، أما صندوق تنمية الأسرة فهو مسؤولية الدولة، لذا يجب تمويله من خلال الضرائب أو فرض ضريبة مؤقتة على قطاعات اقتصادية عالية الربح، يوفر تمويلًا مستقرًا وحقيقيًا. كما تشير بعض الإحصاءات إلى أن صافي أرباح البنوك المصرية يتراوح بين 200 و400 مليار جنيه، بينما تتراوح أرباح قطاع الاتصالات بين 200 و300 مليار جنيه، كما تحقق كبرى شركات المقاولات عشرات المليارات من الأرباح سنويًا. لذا فرض ضريبة مؤقتة بنسبة 1% أو 2% على هذه القطاعات لعدة سنوات قد يوفر موارد كافية للصندوق دون مزاحمة المؤسسات الخيرية على أموال التبرعات والزكاة.
هل يمثل الجدل حول قانون الأحوال الشخصية اختبارًا لفكرة الدولة المدنية؟
نعم، كما أنه اختبار حقيقي لفكرة مدنية الدولة وأن البرلمان هو صاحب الولاية التشريعية، وأن مشروع أي قانون سواء من الأزهر أو الحكومة يقع تحت سلطة البرلمان فور دخوله، ما يفتح نقاشًا أوسع حول دور المؤسسات وحدودها داخل الدولة.
في رأيك، كيف يمكن الوصول إلى قانون أحوال شخصية يحقق التوازن بين المرجعيات الدينية وحقوق المواطنين ومتطلبات الدولة الحديثة؟
لابد من وجود حلول توافقية لا تمس النصوص الدينية القطعية، وأيضًا تستجيب لواقع المجتمع. على سبيل المثال الطلاق الشفهي، فأنا لا أطالب بإلغائه، لكن لابد من وجود توثيق إلزامي له خلال فترة زمنية محددة. وفي قضايا أخرى مثل سن الحضانة، فتلك قضايا علمية لابد أن يشارك فيها متخصصون. وأستشهد في ذلك بما فعله عمر بن الخطاب عندما أوقف تنفيذ حد الحرابة في ظروف استثنائية مرتبطة بانتشار الفقر والأزمات، ما يدل على أن التراث الإسلامي نفسه قدم نماذج للاجتهاد والتعامل مع الواقع دون اعتبار ذلك خروجًا على الدين. كما لدينا تجربة البابا كيرلس ولائحة 1938، التي كانت تتيح أسبابًا إضافية للطلاق إلى جانب الزنا، باعتبارها مثالًا على إمكانية البحث عن حلول تستوعب المتغيرات الاجتماعية دون الوقوع في التشدد. كما أن من تداعيات حالة التشدد في الخطاب الديني داخل المجال العام ظهور اتجاهات لدى بعض الشباب تميل إلى اللادينية، نتيجة شعورهم بأن الخطاب الديني الرسمي لا يستوعب التحولات الاجتماعية ويُنظر إليه باعتباره أكثر صرامة من اللازم، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة طريقة إدارة هذا التوازن. وأقترح الاستفادة من التحول نحو مجتمع أكثر رقمية في المستقبل، بحيث يصبح توثيق الإجراءات الأسرية أكثر ارتباطًا بالمنظومة الإلكترونية للدولة، بما يضمن سرعة الإخطار والتنفيذ. ومع تطور البنية الرقمية، يمكن أن تسهم هذه الآليات في تقليل التعقيدات الإجرائية وتحقيق قدر أكبر من الانضباط وحماية الحقوق. في النهاية، كل ما نطالب به هو قانون يحقق استقرار الأسرة، ويحافظ على الحقوق، ويواكب تطورات المجتمع.