من سنة لأخرى تتغير الأحلام وتتبدل المواقف، خصوصا في سن المراهقة التي يتعلق فيها الأشخاص بأكثر من شيء تباعا ثم يتركوه. لم ينطبق هذا الأمر عليَّ، فقد كنت تلك الفتاة التي حسمت أمرها منذ أن كانت في الصف الثالث الإعدادي. سأعمل بالصحافة، وأكون صحفية مؤثرة، تؤمن بأن الإعلام الحقيقي هو ما يشكل وعي الإنسان وهويته، ويحرر أفكاره ويُنتج جيلا واعيا، قويا، وحرا.
الطريق لم يكن سهلا أبدا، حتى كاد اليأس يتملكني في بعض الأحيان، لكني – كالعادة – لم استسلم. بعد نتيجة الثانوية العامة كان المجموع يناسب الالتحاق بكلية الإعلام، لكن الوالد كان يرى أن هذه الكلية ليس لها مستقبل ولا تتناسب مع أفكاره. لم استسلم للفكرة – رغم عدم القدرة على الوقوف في وجه الوالد – واخترت كلية يقبل بها، وتفتح لي الطريق إلى الصحافة أيضاً.
كلية اللغات والترجمة التي علمت أن من صمن مجالاتها العمل بالصحافة، وبعد الالتحاق بها تكررت محاولات دخول الوسط الصحفي، لكن الأمر كان أصعب من التصورات، وبفعل الظروف الاقتصادية اضطررت للعمل منذ السنة الأولى في الجامعة، حتى أتمكن من تحقيق ما أريد. بقى هذا الحلم يكبر بداخلي وتزايد كثيرا باندلاع الحرب على غزة، التي زادتني يقين أن الإعلام هو خير وسيلة للوعي ونقل الحقيقة.
وكمحبه لنقل الحقائق وتوعية الناس، وجدتها خير طريق أسير فيه، أحمله داخل قلبي حتى أتمكن من تحقيقه. حاولت التواصل مع العديد من المواقع ولم أنجح. استمرت رحلة بحثي على مدار العامين الأول والثاني في الجامعة، بعدها أصابني الفتور لبعض الوقت من كثرة البحث دون فائدة، ثم استشهد صالح الجعفري.
تأثرت كثيراً باستشهاد الجعفري. شعرت أني فقدت أحد أفراد عائلي. فقد مات جزء من يومي معه، حيث كنت أتابعه على مدار الساعة لمشاهدة ما ينشر من حالات على تطبيق انستجرام حتى أعلم كل ما يجري في غزة، وبعد انتهاء الحرب ظننت أنه من تبقى من كل من تعلقت بهم طيلة مدة الحرب، والآن لم يعد موجودا.
استشهاد الجعفري كان الشرارة التى أيقظت داخلي الحلم من جديد، وعاهدت نفسي أن استمر في السعي حتى أصل، وابتسمت لي الحياة إذ قادتني إلى الانضمام لمكان أصبح الأعز إلى قلبي. أحمل همه وأحسب له قبل أن أرى تعبي، انضممت لـ”القصة” في يوم 3 فبراير 2026، أحفظ التاريخ جيدا، لأنه أول خطواتي في طريق الحلم، التقيت هناك كل الزملاء الذين اعتبرهم صفوة ما رأيت في 21 عاما هي كل عمري. والآن وبعد مرور عام على انطلاق هذا الموقع أشعر بامتنان لأني هنا.
لا يزال الطريق صعبا، بل يزداد صعوبة كل يوم، الصمود أمام رفض المصادر أن ترد وتحمل أسلوب بعضهم خاصة المسؤولين، تحمل المصدر حتى أحصل منه على ما أريد من معلومات، اكتسبت صبر يكفيني لسنوات، مررت بكثير من الضغوطات المالية والنفسية، لكن بدعم الزملاء كانت تمر وأعود أقوى.
تذهب الأفكار وتجيء، وتتغير وجهات النظر، وتظل فكرتي ثابتة، الإعلام الحر ينتج جيلا واعيا ومستقلا. وهو أكثر ما تحتاجه بلادنا، الذي أدركته منذ نعومة أظافري، كوني ابنة عائلة تحمل قضايا الوطن وأوجاعه. لذا؛ أرى “القصة” تخطوا بنا نحو مستقبل أفضل.