صار من المؤسَف له أنّ كثيرا من العاملين بالهيكل الإداري للدولة، إن لم يكن الكل، يُعاني أزمة ارتفاع الأسعار بصورة جنونية لا تتماشى أبدا مع الدخول الهزيلة والرواتب المتدنية، التي تتبخر في النفقات قبل أن تمسسها يدُ صاحبها، وهو ما أصاب ويصيبُ أرباب الأسر بحالة من الاكتئاب؛ لعجزهم عن تلبية متطلبات ذويهم الضرورية من مأكل ومشرب وتعليم وعلاج، وفواتير الغاز والمياه والكهرباء، التي يعض بسببها المستهلكون أناملهم من الغيظ، ويشكو من ارتفاعها الجميع، إضافة إلى رغيف الخبز، الذي تلوِّح الشائعات بين الحين والآخر بزيادة سعره زيادة غير مسبوقة، لا قِبل للمواطنين بها!
الغريب في الأمر أنّ هذه المتطلبات تُعتبر عبئا على ذوي الدخول المتوسطة، فما بالك بمحدودي الدخل، ومن هم تحت خط الفقر ممن يتنفّسون الصعداء، وتستفزهم تصريحات الحكومة، التي تؤكد أننا قطعنا خطوات واسعة في المسار الصحيح نحو التنمية، فأيُّ تنمية تقصد ؟!
وأيُّ مسار تقصده الحكومة، وقد علت الكآبة الوجوه، وران الحزن على القلوب جراء الفقر والجوع، اللهم إلا إن كانت للحكومة رؤية لا يراها المواطنون!
إنّ عجز أرباب الأسر عن تلبية متطلبات ذويهم ـ ياسادة ـ هو أول مسمار في نعش الاستقرار الأسري، كما أنه حائلٌ بين العاملين بالدولة والعطاء والإبداع والتميز معالم الانتماء!
إن استقراء التاريخ، يُثبِت أنّ الاستقرار المادي، ينعكس أثره على العطاء والتميز والعكس بالعكس، فيُحكى أنّ الحافظ بن عساكر، حفِظ في مجلس علم ثلاثين حديثا بالسند والمتن، مع إلمامه بما فيها من فوائد ودروس، وبعد عودته إلى بيته فرحا مسرورا بما أنجز، فوجئ بالجارية، تُخبره بأنّ الدقيق قد نفد، فطار من رأسه ٢٧ حديثا، وبقي ثلاثةٌ فقط من مجموع الثلاثين.
ومؤكدٌ قطعا أنّ ما جرى مع الحافظ بن عساكر بالأمس، يجري معنا صباح مساء، وهذا بلا شك السبب الرئيس وراء السكتات القلبية، والدماغية، وحالات الانتحار، التي لم يعد يمر يوم، دون أن تُدمي القلوبَ إحداها.
إنّ شدة احتياج الناس يوما بعد يوم، وارتفاع الأسعار بتلك الصورة الجنونية، يؤكد أنّ هناك خللا لابد من تداركه، ولا يعيب المسؤولون أبدا تصحيح المسار، ولكنْ يعيبُهم إقناعُ الناس بالباطل، وتزييف الحقائق المعيشة!
إنّ التعاطي مع أي مشكلة، يمرّ بمراحل ثلاث هي: التأصيل للمشكلة، ثم التنزيلُ على أرض الواقع، وأخيرا التفعيل للحلول المقترحَة، وإن كنا نجحنا وننجح بامتياز في تحقيق المرحلتين الأوليين، فإنّ إخفاقنا الحقيقي في مرحلة التفعيل، التي تُفقد الشعب جهود العلماء والمفكرين، وتحرمهم ثمرة تفكير ودراسات سنين.
وأخيرا أقول إنه لا توجد مشكلة بلا حل، ما دامت هناك جهودٌ مخلصة تنشد الحل السليم، وتبتعد عن تجميل الصورة، وإيهام الناس بالباطل كما نسمع ونرى صباح مساء.. ولله المشتكى!