تتسارع الخطى الحكومية نحو تحويل مصر إلى مركز لوجيستي عالمي لتداول الغلال والزيوت، غير أنَّ هذا الطموح يصطدم بواقع استيرادي ثقيل كشفته بيانات وزارة الزراعة لعام 2025 بوصول الواردات إلى 23.7 مليون طن.
فاتورة الاستيراد.. تساؤلات حول التحول لمركز تجاري وسط عجز الإنتاج
بلغت قيمة واردات مصر من الحبوب مثل القمح والذرة وفول الصويا 23.7 مليون طن بحسب بيانات وزارة الزراعة لعام 2025، والحاصل أنَّ الحكومة تسعى رغم هذه الأرقام إلى تحويل الوطن لمركز لوجيستي وتجاري عالمي لتداول الحبوب والزيوت، وهو ما أثار تساؤلات حادة حول مدى توافق السوق المحلية مع هذا المقترح لكون مصر تُعد من أول مستوردي الغلال في العالم، ومن ثَمَّ يبقى التساؤل حول كيفية سعي دولة تعاني أزمات متكررة في السلع الأساسية لأن تصبح مركزًا لتداولها.
السيادة الغذائية.. تحذيرات من المتاجرة في سلع نعجز عن إنتاجها محليًّا
يقول الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ “القصة”: “بدلا من التفكير في تحقيق السيادة الغذائية من السلع وتغطية احتياجات الشعب المصري، تسعى الحكومة للتجارة في السلع التي تعجز عن إنتاجها، خاصة القمح والذرة وزيوت الطعام، وهو دليل فشل وأنهم يفكرون في تحقيق الأرباح بأي شكل، بغض النظر عن تغطية احتياجات المواطنين وتحقيق السيادة الغذائية”.
وأضاف أنَّ وقف الاستيراد هو السبيل الوحيد لتوفير العملات الصعبة لكون الاقتصاد في حاجة لإنتاج القمح والذرة محليًّا لتوفير المليارات المهدرة، ويتساءل حول الهدف من المشروع قائلًا: “ما هو الهدف هل تغطية احتياجات المواطن المصري؟ تحقيق سيادته الغذائية ام التجارة والمضاربة وتحقيق الأرباح مهما كانت؟ بغض النظر عن الانكشاف الغذائي والاعتماد على الخارج”.
وأكد الميرغني أنَّ للمشروع مخاطر اقتصادية ستتفاقم لصالح حفنة من المستوردين يجنون المليارات دون حل مشاكل الإنتاج، ومن ثَمَّ يرى أنَّ الأولوية يجب أن تكون لتقليل الاستيراد لا لتعظيم الدور التجاري، قائلًا: “زيادة الإنتاج والإنتاجية وتحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية، أهم مليون مرة من دورنا كتجار”، ويختتم حديثه بالتأكيد على أنَّ هذا التوجه يهدد الأمن الغذائي لكونه يضيع المزارع الصغير أمام ارتفاع التكلفة ويزيد التبعية لما وصفها بمافيا الاستيراد.
طموح لوجيستي.. مخاطر بناء قصر على رمال متحركة وسط عجز الإنتاج
يرى حسام عيد، مساعد رئيس حزب العدل للشؤون الاقتصادية، أنَّ فكرة المركز اللوجستي طموحة وذات بعد جيواقتصادي يستغل موقع قناة السويس، مضيفا أنَّ المشروع قد يولد عوائد دولارية من خدمات التخزين وجذب الاستثمارات، إلا أنَّ هذه العوائد لن تكون ثورية لكونها تتطلب بنية تحتية متطورة وكفاءة تشغيلية في مواجهة منافسة إقليمية شديدة.
ويؤكد وجود تعارض واضح بين تنفيذ المشروع والاعتماد المفرط على الاستيراد، حيث قال: “يوجد تعارض واضح بين الاعتماد الكبير على استيراد الحبوب -مصر أكبر مستورد قمح في العالم- وبين طموح أن تصبح مركزًا عالميًا لتداولها”.
ويوضح عيد، أنَّ الدول التي تهيمن على التجارة العالمية تمتلك فائضًا إنتاجيًّا بينما تبقى مصر في الوقت الحالي سعرية تابعة، مشيرا إلى أنَّ التناقض يزول فقط إذا تم بناء احتياطيات ذاتية كافية، قائلًا: “ليس التناقض مطلقًا إذا تم الجمع بين الاستيراد الاستراتيجي وإعادة التصدير مع بناء احتياطيات كافية”.
ويحذر من مخاطر جسيمة قد تحول الحلم اللوجستي إلى عبء على الموازنة العامة، ويختتم بالتأكيد على أنَّ بناء مركز تجاري على قاعدة إنتاجية ضعيفة يشبه بناء قصر على رمال متحركة، ومن ثَمَّ فإنَّ غلبة التوجه التجاري ستجعل مصر أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية والسعرية العالمية.
القانون الدولي.. تحذيرات من تحويل المواني المصرية لمخازن تخضع للسيطرة الأجنبية
يذهب الدكتور نادر نور الدين، الخبير الزراعي، إلى أنَّ الفكرة لا تصلح والأصح أن تتداول الدولة منتجاتها فقط لكون القانون الدولي يمنع تداول منتجات الغير، قائلًا: “ما ينفعش وكل دولة تتاجر وتصدر منتجاتها فقط وليست منتجات غيرها والقانون الدولى يمنع ذلك”.
ويضرب مثلًا بأنَّ حدوث خلافات سياسية قد يدفع البعض للإساءة لسمعة القمح بوضع بذور حشائش أو سموم، ويتابع أنَّ الأمر لو كان سهلًا لأنشأت أمريكا مخازن لها في أوروبا لتكون قريبة من أسواقنا.
ويؤكد أنَّ دعوة الدول الكبرى لعمل مراكز لها على الموانئ المصرية سيكون تحت إشرافهم وسيطرتها تمامًا، قائلًا: “فسيكون هذا تحت اشرافهم وسيطرتها تماما وليس لنا اي دور بل من حقهم منعنا دخول مناطق تخزينهم”.
ويستعرض نور الدين تجربة البرازيل التي ألغت مشروعًا مماثلًا في لبنان بعدما ضاعفت التكاليف اللوجستية سعر السكر، ويضيف أنَّ تخزين الدول الكبرى لمنتجاتها في موانئنا يمس الأمن القومي، قائلًا: “ويُستغل للتجسس على هذه الموانئ”، وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا حول أسباب عدم اتجاه الحكومة لتطوير زراعة القمح والذرة بدلاً من مشروع قد يتحول إلى عبء إضافي كما وصفه حسام عيد على الموازنة العامة للدولة.