على وقع طبول الحرب التي تقرع في جبهات عدة؛ من خطوط النار في أوكرانيا، إلى التوترات المتصاعدة ومحاولات الاستنزاف المستمرة بين طهران جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، وصولاً إلى مضايق الملاحة الدولية في باب المندب وهرمز حيث تختنق سلاسل الإمداد العالمية، يبدو المشهد الدولي وكأنه يمر بحالة “إزاحة أولويات” غير مسبوقة.
وسط هذا الغليان، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً وعمقاً في أروقة البحث السياسي: هل تراجعت القضية الفلسطينية لتصبح ملفاً ثانوياً في أجندة القوى العظمى؟ أم أن تشابك الملفات أعاد صياغتها كشرط إجباري للاستقرار العالمي؟
عولمة القضية من بوابة الملاحة الدولية
وفي تحليلات خاصة لموقع القصة، تفكك أستاذة العلاقات الدولية مونيكا وليم هذه المعضلة، مؤكدة أن التطورات العسكرية الحاصلة في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب في غزة ساهمت بشكل مباشر في منع تراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش الدولي، ولكن ليس بالضرورة بالشكل التقليدي الذي تفضله الأطراف الفلسطينية.
وترى وليم أن المعادلة الجديدة ربطت بين حرب غزة وأمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد، مما أجبر القوى الكبرى على التعامل مع الأزمة ليس كملف محلي، بل كقضية تمس الاقتصاد العالمي.
غير أن هذا التحول يحمل في طياته إعادة صياغة للأولويات؛ فبدلاً من التركيز الحصري على الحقوق السياسية، انتقل الاهتمام الدولي إلى حماية طرق التجارة، واحتواء التهديدات المرتبطة بالبحر الأحمر، ومواجهة النفوذ الإيراني. والمفارقة هنا هي أن المجتمع الدولي اكتشف فجأة أن تجاهل فلسطين لم يعد ممكناً؛ لأن تداعياته باتت تؤثر على أمن الطاقة، مما أعاد تقديم القضية كمفتاح للاستقرار، وإن جرى ذلك من منظور أمني واستراتيجي بحت.
التحدي الاستراتيجي لواشنطن وسقوط “الوهم الاقتصادي”
وتشير إلى أن فلسطين تحولت إلى معضلة استراتيجية للولايات المتحدة تتجاوز فكرة العبء السياسي العابر. فواشنطن تجد نفسها ممزقة بين الدعم المطلق لحليفها الإسرائيلي، وبين التآكل الحاد في صورتها ومكانتها الأخلاقية عالمياً نتيجة التداعيات الإنسانية في غزة.
وبرغم الأعباء الهائلة التي يفرضها الدعم الأمريكي لأوكرانيا وإدارة الصراع مع الصين، فإن الملف الفلسطيني لم يفقد بريقه الاستراتيجي؛ بل أصبح متغيراً حاسماً في مستقبـل “النظام الإقليمي” الذي تحلم واشنطن ببنائه وتمرير مشاريع التطبيع من خلاله. لقد أثبتت الأحداث أن أي مشروع إقليمي يتجاوز جذور الصراع الفلسطيني سيظل هشاً ومعرضاً للاهتزاز، وتؤكد الأستاذة أن “استمرار الحرب أثبت أن تجاهل الملف الفلسطيني لا يؤدي إلى الاستقرار بل إلى إنتاج دورات متكررة من العنف”. وفي لفتة ميدانية هامة، تلفت النظر إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي ما زال يعمق ويكثف من هجماته داخل قطاع غزة كنوع من التعويض عن إخفاقاته الاستراتيجية في ملفات الإقليم الأخرى.
لماذا تناسى العالم معضلة روسيا وأوكرانيا؟
وفي السياق ذاته، يذهب المحلل السياسي حامد جبر في تصريحاته لـ القصة إلى بُعد أعمق يفسر سر هرولة الأنظار الدولية نحو الجبهة الإيرانية على حساب الأزمة الروسية الأوكرانية التي تراجعت بوضوح.
ويرى أن “الحرب الأمريكية الصهيونية” ضد إيران مهدت لواقع جديد؛ حيث استطاعت طهران بصمودها واستخدامها الذكي لأوراق قوتها الجغرافية والاقتصادية — وتحديداً ورقة مضيق هرمز — أن تثبت للعالم أجمع أنها قوة إقليمية فرضت شروطها لحماية مصالحها وتثبيت مكانتها بين القوى العالمية.
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية أن الأمر لا يقتصر على مجرد إمدادات الطاقة الخليجية، بل ينصرف إلى “المصالح السياسية والاقتصادية المباشرة” وشبكة الروابط الأمنية والقواعد العسكرية الغربية المتواجدة بالفعل على الأرض في دول الخليج. هذا الترابط الاستراتيجي جعل الدول الكبرى تدرك أن استمرار هذا الصراع ينعكس سلباً وعميقاً على الدول المستضيفة لتلك القواعد وعلى أمن الوجود الغربي نفسه، مما جعل إنهاء هذه الحرب واحتواءها أولوية قصوى تتقدم على أي ملف دولي آخر، نتيجة لآثارها الكارثية المباشرة على العالم بأكمله.
ويختتم حامد جبر، بقوله إن بإعادة ضبط بوصلة الرؤية تجاه ما يحدث داخل فلسطين المحتلة، محذراً من ربط مصير القضية بالمتغيرات الخارجية فقط. فالجوهري في المسألة — بحسب قراءته — هو أن المخطط الصهيوني داخل فلسطين -من استيطان، وقتل، وتشريد، وترويع لأصحاب الأرض- هو مشروع بنيوي مستمر ولم يتوقف منذ زرع هذا “الكيان اللقيط” في الأرض العربية؛ فما يحدث اليوم في غزة والضفة هو امتداد طبيعي لما حدث في “دير ياسين” عام 1948.