مع الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة وتحقيقها قاعدة ضخمة من الملايين من المستخدمين، ظهرت منصات دردشة جديدة موجهة خصيصا لهذا العالم، تختلف عن منصات التواصل التقليدية، وتعمل كمساحات مغلقة لعشاق الألعاب.
ومع اتساع حضورها في العالم العربي مؤخرا، بدأ يتردد تساؤل ملح: هل يمكن أن تتحول منصات كهذه وعلى رأسها منصة “ديسكورد” إلى مصدر تهديد للشباب، باعتبارها مجموعات تواصل يصعب كشف مخاطرها من الخارج؟
في هذا الإطار، يوضح خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات هشام الناطور، رؤيته حول ما إذا كانت منصة مثل “ديسكورد” تشكل خطرا على الشباب في منطقتنا.
قال الناطور، إن التطبيق يعد منصة للتواصل الاجتماعي والدردشة النصية والصوتية والمرئية، وقد أُنشئ في الأساس لمحبي الألعاب الإلكترونية الذين شكلوا حوله مجتمعا واسعا من محتوى الجيمنج. لكنه أوضح أن استخدام المنصة توسع مؤخرا ليشمل شرائح مختلفة مثل الطلاب، المجتمعات التقنية، مطوري الذكاء الاصطناعي، الفنانين، بل وحتى الشركات التي بدأت تستعين به في حملاتها الترويجية.
ويرى الناطور أن “ديسكورد” يجمع بين روح المنتديات القديمة في أوائل الألفينات وبين أدوات التواصل الحديثة، حيث يتيح إنشاء غرف نصية وصوتية ومرئية عالية الجودة للنقاش، وتبادل المواد، والاستشارات، دون الحاجة لاستخدام تطبيقات منفصلة أثناء اللعب.
وأشار إلى أن كل “خادم” داخل المنصة يمكن أن يحتوي قنوات متعددة تشبه مجموعات واتساب، سواء لنشر الأخبار أو الصور أو تنظيم النقاشات، مع وجود بوتات شبيهة بتلك الموجودة في تيليغرام، منها ما يخص الموسيقى أو الذكاء الاصطناعي أو تنظيم وإدارة المجتمع. ويوضح أن المنصة أصبحت تضم مجتمعات ضخمة لاهتمامات متخصصة مثل الذكاء الاصطناعي، البرمجة، التصميم، العملات الرقمية، وغيرها، مع إمكانية إنشاء خوادم خاصة للأصدقاء أو فرق العمل أو اللاعبين.
ويرى أن مرونة الخصوصية تمنح المستخدمين القدرة على إنشاء مساحات عامة أو مغلقة مع صلاحيات دقيقة للتحكم في من يسمح له بالنشر أو التحدث.
وأضاف الناطور أن “ديسكورد” يعتمد بنية تقنية قائمة على الخوادم الموزعة والمجتمعات المغلقة، وليس على ملفات شخصية عامة كما في المنصات التقليدية. وتمتزج فيه القنوات النصية بالصوتية مع إمكانية الدمج مع مواقع خارجية وتطبيقات متعددة، بالإضافة إلى أدوات قابلة للبرمجة تسمح بدعوات مجزأة حسب صلاحيات الأعضاء داخل المجتمع الواحد.
وقال إن استخدام المنصة عالميا ارتفع ليصل إلى ما يقارب 500 مليون مستخدم، بينما يزداد انتشارها في العالم العربي بوتيرة أبطأ ولا يقارن بحجم شبكات مثل فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، ويقتصر الاستخدام غالبا على فئات شبابية أكثر تخصصا، لا سيما في مجالات الألعاب، التصميم، التقنيات، والأنشطة الشبابية. ولفت إلى أن تقارير صحفية رصدت استخدام المنصة كأداة تنظيم شبابي في دول عربية مثل المغرب، وهو ما يعكس نموا فعليا رغم بقائه محصورا داخل شرائح معينة.
وعن التحول من منصة للاعبين إلى مساحة للنقاشات الثقافية والفكرية، أوضح أن مرونة القنوات الصوتية والنصية في الوقت الفعلي سمحت بنقاشات معمّقة، وبتنظيم اجتماعات رقمية مدعومة بقواعد وصلاحيات مفصلة لإدارة المجتمعات. وتساهم البوتات القابلة للبرمجة في أتمتة المهام والتفاعل، بينما تشجع الطبيعة المغلقة للخوادم على تشكيل دوائر موضوعية وأنشطة منظمة لا تظهر للعموم، ما جعل المنصة جذابة لما هو أبعد من الجيمنج. لكنه أكد أن هذه الخصوصية التي تعد عنصر قوة للحرية والحوار، تخلق في الوقت نفسه بيئة يصعب إخضاعها للرقابة العامة أو الحكومية، ما قد يتيح استغلالها سياسيا أو لغرض التجنيد لأفكار متطرفة أو خلايا مغلقة يصعب تتبعها.
وتحدث الناطور عن أبرز المخاطر السيبرانية للشباب عبر “ديسكورد”، مشيرا إلى انتشار الروابط المزورة والدعوات المخترقة التي تقود إلى خوادم خبيثة أو مواقع تحميل لبرمجيات ضارة، إضافة إلى بوتات خبيثة تطلب تنفيذ أو تحميل ملفات قد تخترق الهواتف أو تسرب البيانات. وحذر من تداول ملفات بصيغة APK خارج المتاجر الرسمية، ومن أساليب الهندسة الاجتماعية التي تستغل ضعف التحقق داخل بعض الخوادم. واعتبر أن تجنب الروابط المجهولة وعدم تشغيل سكربتات أو تثبيت تطبيقات خارجية، من أهم سبل الحماية.
وفي ما يتعلق بفعالية الإشراف ومنع خطاب الكراهية والتجنيد، قال إن ذلك يعتمد على ثلاث طبقات: أدوات المنصة الآلية، وآليات التبليغ، ثم الإدارة البشرية داخل الخادم نفسه. واعتبر أن صعوبة مراقبة الصوت في الوقت الحقيقي تزيد من التحدي، إذ لا تصل كثير من الانتهاكات داخل الخوادم الخاصة إلى أنظمة البلاغ إلا إذا قام أحد الأعضاء بالتبليغ. وأشار إلى أن مجتمعات الصوت المباشر تتطلب حضورا إداريا بشريا قويا لتفادي الانزلاق إلى صراعات أو محتوى حساس سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا.
ويرى الناطور إمكانية نشوء دوائر فكرية عربية على “ديسكورد” في ظل سهولة إنشاء الخوادم المغلقة وإدارة الصلاحيات، مع القدرة على النقاش المطوّل نصا وصوتا دون الحاجة لظهور الهوية أو دفع اشتراكات.
واعتبر أن النتيجة قد تكون إيجابية إذا ظلت هذه المجتمعات منفتحة على النقاش والنقد، أما إذا انعزلت فقد تتحول إلى بيئات تعيد إنتاج أفكار دون مراجعة. وأشار إلى أن استخدام هويات مستعارة يحمل جانبا إيجابيا بتشجيع المشاركة والتعبير الحر، خصوصا في المواضيع الحساسة، لكنه يضعف المساءلة ويسهل انتشار المعلومات الكاذبة والسلوك العدائي ويقوض الثقة على المدى الطويل.
وحول دور الذكاء الاصطناعي داخل المنصة، أوضح أن البوتات قد تعزز إدارة المجتمعات عبر الفلترة التلقائية، كشف الروابط الضارة، ورفع أمان الخادم، لكن في المقابل يمكن برمجتها لأغراض السيطرة وجمع بيانات الأعضاء أو نشر رسائل موجهة أو دعائية أو حتى محتوى لغسل الأفكار، ما يجعل الشفافية والقيود في استخدامها ضرورة.
وعن مستقبل المنصة في العالم العربي خلال السنوات الثلاث المقبلة، توقع توسعا ثقافيا ومهنيا عبر خوادم تعليمية ومهنية ودوائر للقراءة والبرمجة والفنون والتطوير والتقنيات الحديثة، مع احتمال ظهور استغلال سياسي محدود النطاق خلال الأزمات أو الاحتجاجات، دون أن يصل إلى تأثير واسع بسبب حجم الجمهور العربي الأقل مقارنة ببقية المنصات. وأكد أن الجانب المتعلق بالألعاب سيظل جزءا رئيسيا من هوية “ديسكورد”.
وحذر الناطور من أن “ديسكورد” قد يشكل بيئة خصبة لدوائر فكرية مغلقة ذات تأثير خفي أو توجيه أيديولوجي، خاصة مع استخدام الهويات المستعارة ووجود إدارات غير شفافة للخوادم، وهو ما قد يسمح بترويج وتنميط أفكار وإعادة إدخالها في التداول عبر محتوى منسق أو بوتات مبرمجة.
وكشف عن دلائل وتقارير دولية تشير إلى استخدام المنصات المغلقة في التجنيد وتبادل الأفكار المتطرفة، لافتا إلى حوادث في منصات ألعاب أخرى شهدت حدوث جرائم مرتبطة بالتجنيد عبر الإغراء داخل مجتمعات اللاعبين، بينما يبقى حجم الظاهرة في العالم العربي محدودا لكن قابلا للحدوث، ورصدت محاولات للتجنيد أو التحشيد الشبابي عبر “ديسكورد” في بعض الدول، خصوصا في المغرب، رغم عدم وجود خطوات رسمية معلنة للتصدي لها حتى الآن.