بينما يقترب السودان من دخول عامه الرابع في الحرب، تبدو البلاد وكأنها تمضي بثبات نحو هاوية لا قرار لها، جراح الشعب تتضاعف، والطرق أمامه تزداد وعورة، فيما يغيب أي أفق واضح للحل أو قيادة تمتلك القدرة على استعادة البوصلة المفقودة، كل المؤشرات تقول إننا داخل مشهد طويل من العبث، يتكرر فيه الألم و تتعطل خلاله إرادة التغيير.
شهادة سوداني من قلب الحرب
في هذا الواقع المأزوم، انغلقت فئات واسعة من المجتمع على نفسها، كل يواجه وحده كلفة الحرب وآثارها، بينما ظهرت مجموعات أخرى تعمل بمنطق المصالح المؤقتة لا المبادئ خطاب سياسي متقلب، ينقلب على نفسه كلما تبدلت المواقف الدولية أو العسكرية، ويعيد إنتاج روايات تبريرية لا تصمد أمام الحقيقة. فشخصيات سبق أن وُجهت إليها اتهامات قاسية تعود لتُقدَّم اليوم كرموز، فقط لأن مواقع الاصطفاف تبدّلت. يحدث ذلك في بلد أصبح تقييم المواقف فيه مرهونًا بالولاء لا بالمعايير.
ومع كل سقوط لمدينة أو تراجع لجبهة، يتسابق البعض إلى صناعة رواية جديدة تبرر الفشل، وتَعِد باسترداد ما فُقد كما لو أن الحروب تُدار بالشعارات لا بالمؤسسات، تُشاهد مدن على حافة الانهيار، مثل الفاشر وبابنوسة، وكأنها مجرد أرقام في سجل الصراع، بينما الحقيقة أن كل مدينة تسقط هي جزء من الوطن يُستنزَف، وجزء من الثقة يُنتزع من صدور الناس.
ورغم القسوة، ما زال قطاع واسع من الشارع ينتظر “الفارس المنقذ” الذي سيخرج من بين الركام ليقود ثورة تحطم الأصنام السياسية والفكرية، وتعيد تعريف الدولة والعدالة. لكن الانتظار الطويل في بلد تتبدل فيه الحقائق يوميًا أشبه بالرهان على الغيب… في واقع تحكمه الفوضى أكثر مما تحكمه الرؤى.
السودان اليوم يقف أمام العالم كشعب مرهق، مشتت في المنافي والحدود، يبحث عن الأمان في الخارج بينما يشتعل الداخل بالتحريض والاتهامات المتبادلة. دولة يمكن أن تهتز لزيارة صحفية لمدينة محاصرة، لكنها لا تهتز حين تنهار ولاية كاملة. دولة تطارد الضعفاء بتهم الفضفاضة، بينما يتحرك أصحاب النفوذ بلا حساب أو مساءلة.
غياب العدالة جعل الحقيقة نفسها غائبة، وما جدوى السجون إذا كانت البلاد بأكملها تحولت إلى سجن واسع؟ وما معنى “إغلاق الحدود” بينما البشر يعبرونها كما لو أنها مجرد خطوط على الورق؟
إن ما نعيشه اليوم ليس صراعًا سياسيًا فقط، بل مسرحية عبثية بلا بداية واضحة ولا نهاية متوقعة. حرب طالت حتى فقدت معناها، وتحولت حياة الملايين إلى انتظار ثقيل لا يعرفون متى ينتهي.
وإلى أن تنجلي هذه الغمامة، لا نملك سوى أن نسأل الله اللطف… فالنهايات في الحروب ليست عادلة، وتكاليفها يدفعها الأبرياء دائمًا.
هذه شهادة مواطن سوداني لـ “القصة” يرى وطنه ينزلق نحو المجهول، ويكتب ما يشعر به ملايين غيره ممن أثقلتهم الحرب وفقدوا الثقة في نهاية قريبة.