تعد محافظتي قنا وسوهاج جنوبي صعيد مصر من أكثر المحافظات والدوائر الانتخابية تعقيدا على مستوي الجمهورية لما لديهم من تركيبة قبلية معقدة وصارمة على مر الزمان، فمعايير الاختيار هنا لا شئ فيها يعلوا فوق صوت القبلية والعائلية، كلاً ينحاز بكل ما يملك إلى مرشح عائلته وقبيلته بغض النظر عن صلاحه وبرنامجه الانتخابي وما سوف يقدمه للدائرة، فكرسي البرلمان هنا لا يقتصر على كونه منصب بل يمثل رمز للثقل الاجتماعي والتفاخر بين العائلات والقبائل، كل قبيلة تريد أن تأخذ الكورسي تحت اسمها، وعائلات برلمانية تستحوذ على المقاعد من عشرات السنين كأنها حقاً مكتسباً فالمشهد الانتخابي هنا مختلف تماماً عن مكان أخري وتحكمه ثوابت لا يمكن الانسلاخ منها.
ولكن في هذه الدورة وبعد انتهاء اليوم الثاني “للعرس الانتخابي”جاءت المفاجأة الصادمة والنتائج المعاكسة لكل التوقعات وهي خروج ثلاثة مرشحين من العيار الثقيل وبمثابة أبطال شعبين كان من المتوقع أن يكونوا تحت قبة البرلمان من الجولة الأولى، أثار ذلك غضباً شديداً وأشعل النيران في صدور أنصار هؤلاء المرشحين وليس أنصارهم فحسب بل امتد الأمر ليصبح حديث المجتمع أجمع لا تخلوا جلسة ولا وسيلة مواصلات ولا شارع من الحديث عن كيف يخرج هؤلاء من السباق، ضجة كبيرة عبر صفحات السوشيال ميديا وهشتاجات تخاطب رئيس الجمهورية بشكل مباشر ومنشورات تحصد ملايين المشاهدات في ساعات وطعون قدمت تشكك في نزاهة الانتخابات حتى وصل صدى صوتهم إلى رئيس الجمهورية وأعلن عن إلغاء الانتخابات في عدة دوائر كان على رأسها محافظتي قنا وسوهاج.
“هؤلاء هم من غيروا خريطة المشهد الانتخابي “
المرشح الأول عن دائرة دشنا والوقف ونجع حمادي ” فتحي قنديل ” الذي لقب بنائب الغلابة ويعد أبرز نواب قطاع الصعيد بشكل عام ينتمي إلى أسرة برلمانية لها باع سياسي كبير منذ 1957 إلى الآن، عائلة عرف عنها تواضعها وبابها المفتوح الذي لا يغلق أمام أحد، اشتهر قنديل بردود أفعال قوية خلال جلسات المجلس خلال دوراته السابقة.
لقب قنديل بصوت الغلابة فهو دائم التحدث عن مشاكل المواطن البسيط يطالب بحقوقه بكل جراءة ويظهر العيب والعوار ويواجه المقصرين من الوزراء والمسؤولين بكل قوة، خاض تجربة هذه الدورة معتمداً في المقام الأول على حب الناس إليه وتاريخه الخدمي المشرف ورفض أي تحالف وكان من المتوقع فوزه من الجولة الأولى وهذا ما أكدته نتائج الفرز الأولية في جميع لجان الدائرة ولكن كانت المفاجأة أنه خارج المنافسة فلم يكن خبراً عادياً بل كان هزة سياسية قوية أثارت جدلاً وغضباً واسعاً في الصعيد ككل ووقف خلفه جمهور متنوع من أقباط ومسلمين وعرب وهوارة وقفة رجل واحد رافعين شعار ” يا فتحي هنردلك الجميل” وهم الآن على أمل أن يعود الحق إلى أصحابه وأن يعود صوت فتحي قنديل تحت قبة البرلمان مرة أخرى.
الشخصية الثانية ” أحمد عبدالحميد المحرزي ” مرشح دائرة أبو تشت وفرشوط الحاصل على ليسانس الحقوق وابن شيخ ناحية المحارزة، عرف عنه نشاطه في العمل الخيري والمجتمعي متواجد بشكل دائم لا يغيب له باب وهاتف مفتوح طول اليوم يعمل على حل النزاعات وصلح الأهالي وحل المشكلات الثأرية حتى لقب برجل المصالحات الأول في قنا فهو عضو لجنة المصالحات وحاصل على درع التسامح تقديراً لما ساهم في حله من مشكلات ثأرية لا تعد على مستوي الصعيد ككل، ترشح في دورة سابقة ولم يحالفه الحظ يتمتع بقاعدة شعبية تضم كل أطياف المجتمع بكل عائلاته وقبائله لم يختلف عليه أحد ولم ينشق عليه صف.

كان أيضاً من المتوقع أن يكون تحت قبة البرلمان وخصوصاً بعد مؤتمره الانتخابي الأكبر الذي تكون من حشود ضخمة وبعد نتائج الفرز الأولية التي كانت في صالحه حتى الساعات الأخيرة ولكن جات النتائج عكس المتوقع وأعلن أنه خارج السباق ثار اللهيب في قلوب أنصاره وتقدم بتظلم رسمي إلى رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات طالب فيه بإعادة فرز الأصوات حتى جاء قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي بإلغاء الانتخابات ودب الأمل فرحاً مرة أخرى بأن الحق يمكن أن يعود وأن يقول الصندوق كلمته مرة أخرى ويكون هو صوتهم في البرلمان.
ومن قنا الي سوهاج لا يختلف المشهد كثيرا
تعد الطعون الانتخابية عامل أساسي في تغير المشهد الانتخابي في محافظة سوهاج، خطوة عادت الانتخابات مرة أخرى في جميع الدوائر، حيث يعرف مركز دار السلام من الدوائر التي تتسم بحدة المنافسة وعمق النفوذ القبلي، فالمقعد البرلماني داخل الدائرة لا ينظر إليه باعتباره منصباً سياسياً فحسب، بل رمزاً للثقل الاجتماعي وواجهة للعائلات الكبرى، التي ترى في الفوز وتمثيل الدائرة في البرلمان امتداد لنفوذها التاريخي، فمع تزايد قرارات إعادة الفرز وإلغاء النتائج في بعض اللجان، أصبحت الطعون جزءًا اصيلا من مشهد الصراع البرلماني.
انتخابات هذا العام في دوائر محافظة سوهاج الغيت بشكل كامل، بسبب مخالفات جوهرية.
تصدر اسم النائب أحمد عبد السلام قورة كواحد من اللاعبين الأساسيين في دائرة دار السلام وكان من المتوقع فوزه من الجولة الأولى ولكن جات النتائج عكس المتوقع وأعلن أنه خارج السباق ا الانتخابي ايضا ثار اللهيب في قلوب أنصاره، وتم تقديم طعون وشكاوى للجهات المختصة، التي على إثرها نقلت إلى الهية الوطنية للانتخابات ومن ثم الغيت الانتخابات في الدائرة الثامنة وهي دار السلام.

بدأ قورة رحلته داخل البرلمان عام 2005 حين فاز لأول مرة بعضوية مجلس النواب عن دار السلام، وظل منذ ذلك الوقت حاضرًا في ملفات الخدمات والتنمية، خاصة ملفات الزراعة والطرق.، حيث ويستند قورة إلى ثقل اقتصادي واجتماعي يعزز من موقعه في المنافسة، ما يجعله في صدارة الأسماء المؤثرة على الخريطة الانتخابية.
ختامًا، يبقى السؤال: هل ستعود الأصوات المكتومة إلى قبة البرلمان؟ هل سيُسمع صوت الغلابة مرة أخرى؟ هل ستتغير ثقافة الانتخابات في صعيد مصر؟
هل سيظهر تيار جديد يري ان الخطاب القبلي أصبح لا يأتي باي ثمار؟
