أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

مصر على حافة الإمكان (2)

محمد حماد

أخيرًا بدا لي أن أتوقف عن المضي في هذه السلسلة التي حاولت أن أُمسك فيها بخيط رفيع لفرصة لا تزال قائمة عند حافة الإمكان، حتى وإن ضاقت مساحتها وتراجعت إشاراتها. وكان الدافع إلى التوقف أن ظواهر تتوالى أمامنا لا توحي بأننا نتحرك باتجاه الإمساك بما هو متاح. آخرها واقعة القبض على رئيس مجلس إدارة موقع صحفي في الليلة ذاتها التي أُوقف فيها رئيس التحرير، لا على خلفية جريمة تمس الأمن، بل بسبب بلاغ من رئيس شعبة الدواجن عن خبر منشور.

ليست التفاصيل ما يشغلني، ولا الوقائع ما يثير قلقي، ولكن الطريقة التي جرى بها التعامل، بعنف لا يستحقه الموقف، وإجراءات لا تُناسب طبيعة الموضوع، وكأن هناك من يٌصرّ مرة أخرى على أن يرى المجال العام خطرًا لا فضاءً ضروريًا للحياة الوطنية.

غير أن الضمير الوطني الذي دفعني أصلًا إلى كتابة هذه السلسلة، هو ذاته الذي حرضني على ألا أسمح لخيبة الأمل أن تُسكت ما يبدو لي واجبًا. فإذا كانت الشواهد دالة على انسداد، فإن الإمكان لا يزال قائمًا، وإن كان ضئيلًا، والواجب أن نُطيل النظر فيه قبل أن يغلق الزمن أبوابه.

أخبار ذات صلة

images (68)
برلماني يتقدم بطلب الإحاطة الثالث بعد تأخر لائحة رعاية المسنين.. تفاصيل
Oplus_131072
أسعار الذهب اليوم السبت.. عيار 18 أقل من 6000
حزب الوفد
بعد الرفض.. "الوفد” يأمر رئيس هيئته البرلمانية بحضور اجتماع مدبولي

مصر اليوم تواجه لحظة تكشف أن السياسة لم تعد تعمل وفق موازينها الطبيعية، وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت منطقة حرجة لا يُعالجها التجميل ولا التبرير ولا الخطاب التعبوي.

ولأن اللحظات الفارقة في تاريخ الدول لا تُقاس بالحوادث المعلنة، بل بما يختاره صانع القرار حين يواجه أسئلة مصير لا يمكن تأجيلها، فإننا نقف اليوم على الحد الفاصل بين حافة الخطر وحافة الإمكان؛ والخروج من الأولى إلى الثانية يتطلب قراءة مختلفة، وقرارًا مختلفًا، وإرادة ترى أبعد من إجراءات الإدارة اليومية إلى مصير الدولة نفسها.

لقد أفرزت إدارة العمل العام في السنوات الماضية فراغًا سياسيًا لم تتوسع فيه السلطة بقدر ما تراجعت فيه المعارضة، فانقطع الجسر الذي كان ينبغي أن يقوم عليه التواصل مع المجتمع.

والفراغ لا تملؤه القوة، بل تملؤه السياسة. أخطر ما فيه أنه يُعطّل آليات الإنذار المبكر في الدولة، فتغيب عنها المؤشرات، وتصبح الأزمات مفاجِئة حتى وإن كانت ملامحها بادية للجميع.

إذا حسنت النوايا وصدقت، فإن الباب يُفتح لتصحيح المسار: تتخلص السلطة من ميراث الصوت الواحد، وتستعيد المعارضة أملًا ضاع في تجارب لم تفضِ إلى شيء، ويعود المجال الوطني إلى وظيفته الطبيعية كفضاء لتفاعل الدولة والمجتمع، لا كساحة محظورة تُدار بإجراءات لا علاقة لها بالسياسة.

ومن هنا يبدأ الطريق للابتعاد عن حافة القلق إلى بوابات الخروج من المأزق.

وأظن أن نقطة البدء الطبيعية تكمن في ورقة التوصيات التي خرجت من الحوار الوطني ورُفعت إلى الرئيس، وهو الحوار الذي دعا إليه بنفسه وجرت جلساته تحت رعايته. فإذا كانت الدعوة رئاسية والاستجابة معارضة، فإن التوصيات تكتسب شرعية مزدوجة يمكن أن تُمهّد لمرحلة وطنية جديدة، إذا تحولت إلى برنامج عمل فعلي لا إلى مستند إضافي في أرشيف الدولة.

في المقابل هناك طريق آخر: طريق الانفتاح السياسي الحقيقي والمدروس. وهو ليس ترفًا ولا تفريطًا في سلطة، ولا تهاونًا مع الفوضى، بل ـ كما أثبتت تجارب دول خرجت من أزمات مشابهة ـ إعادة توزيع للأدوار داخل إطار دستوري قويم، تُحافظ فيه الدولة على استقرارها وأمنها، وفي الوقت نفسه تُعيد بناء الجسور مع المجتمع.

وإذا اتفقنا على هذا، فإن الوقت أثمن من أن يُهدر في إعادة نقاش ما جرى بحثه ودراسته. والمطلوب الشروع المباشر في برنامج تنفيذي للتوصيات، يبدأ بالسياسة مع الاقتصاد، ويتزامن فيه إصلاح المجال العام مع إصلاح بنية الإنتاج، ويُعاد فيه الاعتبار للتعليم والصحة باعتبارهما الأساس المتين لأي نهضة جادة.

والانفتاح السياسي هنا ليس خيارًا، بل مفتاح نجاة وصمام أمان، وشريان الحياة الأخير إذا أردنا للبلد أن ينتقل من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل.

وهو ليس منحة من سلطة ولا تنازلًا تفرضه معارضة، بل ضرورة دولة وشرط استقرار، وشرط اقتصاد، وشرط استمرار. والأهم أنه لا يُقاس بالخطاب، بل بالأفعال.

وهو يقوم على أربع ركائز مترابطة:

أولاها إعادة فتح المجال العام، لا بوصفه مطلبًا سياسيًا، بل لأنه رئة المجتمع وجهاز إنذار الدولة. فيه تتشكل مبادرات الناس، وتظهر اعتراضاتهم، وتنضج الأفكار وشبكات الثقة التي لا تقوم دولة من دونها. فتح المجال العام ليس تهديدًا، بل درعًا واقيًا يحمي الدولة من نفسها قبل خصومها. وفتحُه يعني كسر صمت السنوات، وإعادة الصحافة إلى مهنتها، وإنعاش المنابر الثقافية، وعودة التنظيمات المدنية القادرة على امتصاص الاحتقان قبل أن يتحول إلى انفجار.

وثانيتها إطلاق حرية العمل السياسي المنظم، لأن دولة بلا أحزاب قوية دولة بلا مستقبل، ومجتمعًا بلا تنظيمات مجتمع مكشوف العصب. تغييب الأحزاب هو تغييب السياسة ذاتها، وترك الساحة لسياسة الأفراد التي تبدو صلبة لكنها هشة بقدر هشاشة حاملها. إعادة الحياة إلى الأحزاب وتمكينها من الحركة وتأمين حضورها ليس خصمًا من الدولة، بل ضمانًا لاستقرار طويل المدى يقوم على المؤسسات لا الأشخاص، وعلى التنافس لا الاحتكار، وعلى شرعية تتجدد بدل أن تُستعاد بالقوة كل يوم.

وثالثتها ضمان حرية التعبير من دون خوف، لأن دولة بلا نقد تتحول إلى دولة عمياء مهما امتلكت من أدوات القوة. فحرية التعبير ليست زينة ثقافية، بل خط الدفاع الأول ضد الفساد والخطأ والانفصال بين الدولة والمجتمع. ولا ينهض اقتصاد في بيئة يخشى فيها المستثمر كلمة قد تُساء قراءتها، ولا يتقدم مجتمع محاصر بالخشية. حرية التعبير ليست ضد الدولة، بل معها، لأنها تمنعها من السير في طريق مسدود.

ورابعها إصلاح مؤسسي يعيد توازن السلطات داخل الإطار الدستوري، ويؤسس لآليات رقابة ومساءلة تحفظ تماسك الدولة. المطلوب قواعد واضحة لإدارة الخلاف وتوزيع السلطات وتنظيم الصلاحيات، لأن الإصلاح المؤسسي ليس تقنية إدارية، بل تأسيس لمستقبل مختلف؛ ومن دونه يصبح أي انفتاح فرصة عابرة تذوب عند أول اختبار.

لكن الإصلاح يظل ناقصًا إذا بقي حبيس المركز. فدولة مركزية بهذا الحجم لم تعد قادرة على إدارة بلد بحجم مصر. ومن هنا تأتي ضرورة إعادة الحياة النيابية المحلية عبر بلديات ومحافظين منتخبين بصلاحيات واسعة، لا مجرد موظفين يرفعون تقارير. هذه النقلة ليست تفصيلًا، بل استراتيجية تُخرج جيلًا جديدًا من القادة، وتعيد السياسة إلى الناس، وتفتح باب المبادرة والابتكار. وعند هذه العتبة تتكوّن طبقة سياسية تمتلك الشرعية والخبرة وتعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع.

فالإصلاح السياسي إذا ظل محصورًا في المركز ظل ناقصًا مهما حسنت النوايا. أما حين يمتد إلى الأطراف، إلى المحليات، إلى مستوى الحياة اليومية، فإنه يتحول إلى قوة قادرة على تغيير المسار وصناعة المستقبل، وعلى بناء دولة تستند إلى المشاركة لا إلى التلقين. وهناك فقط يصبح الإصلاح بداية نهضة لا مجرد تعديل في الشكل أو تبديل في الإجراءات.

وحين نصل إلى هذا الحد، يصبح الإصلاح الاقتصادي ممكنًا، لأن الاقتصاد لا ينهض في ظل مناخ سياسي مغلق، ولا يعمل قطاع خاص حقيقي بلا منافسة عادلة، ولا تتفجر طاقات الشباب إذا ضاق الطريق إلى التمثيل السياسي. والتاريخ واضح في هذا: كل نهضة اقتصادية سبقتها موجة انفتاح سياسي. فجوهر الأزمة في مصر ليس السعر وإنما النسق، وليس التضخم وإنما غياب بيئة تسمح بخلق القيمة والتنافس والمبادرة.

في نهاية المطاف، أصل المسألة هو العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي تنغلق على نفسها وتتعامل مع المجتمع بوصفه تهديدًا تضعف من حيث تتوهم أنها تقوى، والدولة التي تُمكّن المجتمع وتفسح له المجال ليشارك تُحصّن نفسها وتبني شرعية طويلة المدى لا تُنتجها القوة وحدها. وعند هذه النقطة يبدأ التوازن الذي يسمح للأمم أن تنهض: دولة قوية ومجتمع قوي، لا دولة قوية ومجتمع منزوع الحيوية.

تبقى الرسالة الكبرى للسلطة الآن رسالة وطنية قبل أن تكون سياسية: إن اللحظة أمامكم قد لا تتكرر. وإن ضاعت، انتقل التغيير من السياسة إلى أزمات لا يمكن ضبطها. والتحرك الشجاع اليوم ليس مغامرة، بل واجب: واجب لحماية الدولة، وتمكين المجتمع، وفتح الطريق لإمكان لا يزال قائمًا لكنه يتآكل كلما تأخر القرار. فالمستقبل لا ينتظر، والسياسة لا ترحم المترددين، والقرارات التي تُتخذ اليوم ستصبح إما أساس نهضة مقبلة، أو شاهدًا على فرصة ضائعة قد لا تعود.

المقال الأخير: ما المطلوب من المعارضة؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

images (3)
الحوثيون: "أيدينا على الزناد" للدفاع عن إيران ومحور المقاومة
images (2)
جبهة البحر الأحمر تتحرك.. هل يغلق "الحوثي" باب المندب رسمياً وينهي أسطورة الملاحة الآمنة؟
المعارضة
"تحت القبة أولًا".. نواب المعارضة يرفضون لقاء "مدبولي" في مكتبه
IMG_9760
منال لاشين تكتب: إبعاد الحرائق عن قبة مجلس النواب

أقرأ أيضًا

محمد المنشاوي
الاحتيال البريء.. الرأسمالية الحرباء
المهندس تامر شيرين شوقي
قضيته فتحت ملف "سجناء الرأي" من جديد.. تضامن سياسي واسع مع تامر شيرين شوقي
IMG_3003
اقتصاد دول الخليج وحرب إيران.. سيناريوهات الربح والخسارة
رئيس مجلس الوزراء
قرار من الحكومة لتنظيم مواعيد غلق المحال والمطاعم والمراكز التجارية