أنا مش شغّالة مع تركي آل الشيخ، ولا بقبض منه، ولا داخلة في حملة موجهة ضد حد. أنا بس واحدة شافت فيلم “الست”، وبتقول رأيها بصراحة، من غير خوف ولا تقديس أعمى.
الاختلاف مش خيانة، والنقد مش إساءة، والرموز الحقيقية ما بتتكسرش لما نفتح ملفاتها كاملة.
منذ المشاهد الأولى، الفيلم اختار يقدّم أم كلثوم باعتبارها أسطورة قبل ما تكون إنسانة.
الكاميرا جاية من زاوية تعظيم، الموسيقى مهيأة لمشهد احتفالي، والسرد حاسم من البداية: الست لا تُخطئ. لا تغار، لا تُقصي، لا تُخطئ الحساب. كل قرار له مبرر أخلاقي جاهز، وكل صدام يتم تذويبه بسرعة. البداية دي كانت إعلان واضح إننا مش داخلين نفهم الشخصية، إحنا داخلين نمجّدها.
وده بالضبط سبب الانقسام الحاد بين النقاد بعد عرض الفيلم.
فريق من النقاد اعتبر إن الفيلم شوّه تاريخ أم كلثوم، خصوصًا بسبب إظهارها كامرأة تدخن، حادة الطباع، صارمة في علاقاتها. بالنسبة لهم، مجرد الاقتراب من الجوانب الإنسانية غير المثالية هو مساس بصورة رمز وطني لا يجوز الاقتراب منه. هؤلاء دافعوا عن الصورة المحفوظة في الوجدان الجمعي، لا عن الحقيقة التاريخية.
في المقابل، فريق آخر – وأنا معاه بوضوح – رأى إن المشكلة الحقيقية مش إن الفيلم تشويه، بل إنه تجميل. الفيلم لم يكذب، لكنه لم يقل الحقيقة كاملة. لمح ولم يواجه. اقترب وتراجع. قدّم بعض الوقائع، لكنه نزع عنها سياقها الحقيقي، ففقدت معناها.
ورغم كل التحفظات على الفيلم، لا يمكن إنكار المجهود الكبير اللي بذلته منى زكي. صحيح إن شكلها بعيد عن أم كلثوم، لكن منى زكي حاولت بكل طاقتها توصل لجوهر الشخصية من خلال النبرة، الإيماءات، والصلابة الداخلية، وده كان واضح ومحترم.
أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة عظيمة، بل كانت مركز قوة حقيقي في الحياة الفنية المصرية. نفوذها تجاوز الغناء إلى التحكم في المشهد نفسه، وده ما كانش هيحصل من غير قرب واضح من دوائر الحكم والسلطة. العلاقة دي لم تكن تفصيلة جانبية، لكنها كانت أحد أعمدة استمرارها في القمة لعقود بلا منافسة حقيقية.
ولا يمكن فهم هذه القسوة ولا هوس السيطرة بمعزل عن نشأتها نفسها. طفولة قاسية في بيت فقير، أب شديد، وتربية قائمة على الانضباط والخوف أكثر من الحنان. خرجت من بيئة لا تعترف بالضعف، فكبرت وهي تؤمن أن النجاة لا تكون إلا بالصلابة.
شكلها الخارجي لعب دورًا نفسيًا لا يقل أهمية. أم كلثوم كانت واعية تمامًا بأنها لا تنتمي لمعايير الجمال التقليدية، وكانت تعرف كيف يراها الناس قبل أن يسمعوها. السمنة، الملامح الخشنة، العيون الجاحظة، كلها عناصر صنعت إحساسًا دفينًا بالنقص، قابلته بإفراط في التعويض: سيطرة، صرامة، وتحصين دائم للمكانة. القوة هنا لم تكن رفاهية، بل آلية دفاع.
اضطهادها لفنانين من عصرها ليس شائعة ولا حكايات صالونات. خلافها مع أسمهان، ومحاولات تحجيمها، معروف ومذكور في شهادات معاصرين. أسمهان لم تكن فقط صوتًا منافسًا، بل تهديدًا حقيقيًا لعرش لم يكن يسمح بالاهتزاز. الصراع لم يكن فنيًا خالصًا، بل صراع بقاء.
حتى عبد الحليم حافظ، الذي أصبح لاحقًا رمزًا لجيل كامل، لم يسلم في بداياته. إلغاء حفلاته والتضييق عليه في الإذاعة لم يكن مجرد سوء حظ، بل جزءًا من صراع نفوذ واضح بين صوت صاعد ومؤسسة فنية تخشى فقدان السيطرة.
وهنا السؤال الذي تهرب منه الفيلم:
هل كانت أم كلثوم تحمي الفن… أم تحمي موقعها؟
الفيلم تجاهل أيضًا براعتها السياسية. غنت للملك في زمن الملكية، ووقفت بثقلها الكامل مع النظام القائم. وبعد سقوطه، تحولت بسلاسة إلى داعمة للثورة، وصوتها صار عنوانًا للمرحلة الجديدة. لا صراع داخلي، لا مراجعة، لا حتى سؤال. التحول قُدّم كحب مطلق للوطن، بينما الواقع يشير إلى فهم عميق لقواعد اللعبة: عاش الملك… مات الملك.
الجوانب المظلمة في شخصية أم كلثوم – القسوة، الإقصاء، البرود العاطفي، إدارة العلاقات بمنطق القوة – لم يقدمها الفيلم بموضوعية. كل مرة يقترب، يبرر. كل ما يلمّح، يخفف. وكأن صُنّاع العمل خافوا من مواجهة الست حتى بعد رحيلها.
حتى التفاصيل التي أثارت الجدل، مثل تدخينها للسجائر، قُدّمت بلا عمق. لم تُستخدم كمفتاح لفهم شخصية بنت حول نفسها دروعًا نفسية صلبة، بل كلمسة سطحية تُرضي الجميع ولا تصدم أحدًا.
الفيلم جمّل أم كلثوم قدر الإمكان. صقل الحواف، مسح الخدوش، وقدّم أسطورة أنعم وأبسط من حقيقتها. وده ظلم لها قبل أي شخص آخر، لأن الإنسانة الحقيقية، بكل تناقضاتها وقوتها وقسوتها، كانت أعمق وأكثر إثارة من النسخة المفلترة.
أنا مع الفريق اللي شايف إن الحقيقة لا تُهان بعرضها كاملة.
اللي يسيء للتاريخ هو تقديسه، لا نقده.
أم كلثوم كانت عظيمة، نعم.
لكن عظمتها لم تكن ناعمة ولا بريئة.
كانت قوة… والقوة حين لا تُسأل، تتحول لسلاح.
والفيلم اختار يورينا السلاح مغطّى بالحرير.