ليشهد العالم على حزني وسخطي على ما نراه يوميًّا من جرائم تدعمها ازدواجية معايير العالم الغربي في إدارته لقضايا حقوق الإنسان، وأنَّ شعاراتهم عن الحقوق الإنسانية ما هي إلَّا فقاعات هوائية سرعان ما تختفي بمجرَّد ملامستها أرضًا تشهد كلَّ يومٍ على صفقاتهم الملوثة بدماء الأبرياء؛ يرددون أكاذيب عن حقٍّ نأمله يراد به باطلٌ نعتاده، فالحق عندهم ليس حقًّا للجميع، فلا عدل فيه ولا رحمة ولا حتى حكمة، هو فقط حق لهم لا عليهم.
الفساد يتزايد سطوته وسلطته بتبجحٍ لم نشهد مثيله من قبل، متكئًا على قوة رأس المال الذي يجمعه الساسة رجال الأعمال وتجار السلاح بنهمٍ وجشع كبيرين بفضل الحروب التي يشعلونها لينجوا بأنفسهم ويحرقوا العالم ومن فيه، ليغتنوا ويتملكوا ويصبحوا وحدهم السادة دون غيرهم، والبقية الباقية عبيد محرومون يسعون من أجل العيش ولقمته مذلولون مغتربون في بلادهم أو حتى خارجها.
عبيدٌ للمادة في أي غربة تسع ذلهم الذي لم يختاروه بل اختارهم؛ لأن المادة أصبحت تتحكم في الأنفاس والأنفس، ليتمختر الفساد ويتبختر أمام أعيننا كيفما يشاء ولا نستطيع أن نقول له أفٍّ ولا ننهره، حتى لا نقبع في سجون بنيت “بحماس” بالغ إن اعترضنا، وكأن المال الحكومي زائد وفائض في انتظار ملء كل زنزانة بفردٍ منفردٍ في بلاد تزداد فيها الجريمة بسبب الفقر والجهل، بدلاً من أن تزداد فرص العمل والأجور والمدارس والمستشفيات الحكومية.
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي شاهدت، على شاشة التليفزيون البريطاني العام الماضي، سجون إنجلترا تفتح وتخرج من في بطونها ممن لم يقضوا مدة حبسهم، والسبب بسيط: فعدد السجون لا يكفي، وأموال الحكومة لا تكفي لبناء مزيد من السجون!
كم هم محظوظون هؤلاء المجرمون الأوغاد في بلاد الغرب! عفي عنهم فقط لأن الدولة لن تنفق من مالها لتحمل أعباء أعداد زائدة من المجرمين لديهم وتتحمل نفقتهم طوال مدة حبسهم، فيطلقونهم على البشر.
بينما الدول العربية – الفقيرة منها قبل الغنية – تستثمر وتعلن بسعادة بالغة عن بناء سجون جديدة كل فترة، وكأنهم يعلنون عن وحدات جاهزة في مجمعات سكنية فاخرة تجد فيها ما لذ وطاب من الطعام!
فخر أم دعاية؟ فكلاهما سيئ؛ إذا كان فخرًا فكيف نفتخر بتقصيرنا الذي أدى إلى ازدياد أعداد المجرمين في بلادنا ونلبسه ثوب القوة والهيمنة؟ وإن كانت دعاية فإننا نشجع على أن يفيض كيل المواطنين ليتخذوا السجون بديلًا عن السكن الذي لا يستطيع إنسان طبيعي – وليس مليونيرًا – على توفير المال للحصول عليه!
لقد غاب المنطق عن حسابات الحكومات ووزرائها؛ بالكاد يرون مواطنيهم بطرف أعينهم من خلف نظاراتهم الريبان، ويفرضون عليهم الرضا فرضًا. إما ذلك، أو ينعمون بأكل مشويات السجون التي تسيل لعاب أي شريف اشتهى رائحة اللحم الذي لم يعد يدخل جوفه إلا في المناسبات السعيدة النادر جدًا حدوثها في هذه الأيام الغبرة، التي يحمد الله عليها ويشعر بالذنب إن اشتكى بينه وبين نفسه منها.
خاصة إن شاهد نشرات الأخبار وصور الأطفال الذين يموتون جوعًا يوميًّا بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة، فيقارن نفسه بهم حتى يشعر بالطمأنينة ويشعرها لعائلته التي لم يعد يقدر على إعالتها. ذلك الشريف الذي لا يجد ثمن رغيف خبز، وتشجعه صور السجون “السوبر لوكس” باهظة التكلفة على أن يرتكب حماقة أو جرماً ما في لحظة غضب ويأس؛ عله يحظى بمعيشة كريمة خارج تلك السجون أو حتى بداخلها!
الوضع مزرٍ، والحرية لم تعد متعة أو تسوى الشيء الكثير إذا لم يجد الإنسان أساسيات المعيشة، ولن أوصفها حتى بالكريمة؛ مجرد لقمة عيش ومكان يستطيع دفع إيجاره وفواتيره ليكاد أن يعيش هو ومن يجب عليه إعالتهم.
يا حسرة على حالنا اليوم! فلا يشبه البارحة ولو بقليل. كم نحن حمقى! صمتنا في وقت كان الكلام فيه بلا حساب بسبب أنانيتنا وتخاذلنا عن الوقوف في وجه الظلم الجائر على غيرنا، حتى جار علينا ما جار عليهم، ووصل بنا الحال إن تحدثنا قطعوا ألسنتنا إربًا إربًا، وزايدوا علينا واتهمونا وفضحونا وتاجروا بسيرتنا وحبسونا؛ فأصبح الصمت نجاةً، والخوف أمنًا، والذل سترًا!
تمكن الفساد ولم يكن ليفعلها إلا بالتخاذل والأنانية الحمقاء، وغدا يصفع بكفيه وجوهنا بمنتهى الوقاحة في أبشع صورة تجسد الذل اليومي؛ حين ينقلب السحر على الساحر فتنقلب الموازين لتعلي من شأن السفلة وتدني وتحقر من شأن كل عزيز ابتلي بشر البلية الذي لم يعد يضحك كما اعتدنا أن يسايرنا ونسايره.
يومًا بعد يوم تمتد أيادي الغرب لتعين من له حق ولم يحصل عليه، وتشدو ألسنتهم بأناشيد السلام، وتنفق أموالهم على الدعم العسكري؛ ولكن إن وصلت الحقوق لحدودنا تمتد نفس الأيادي لمهاجمتنا، وتتهمنا نفس الألسن مبررة قتلنا برصاصهم الغادر، وتتحكم أموالهم وأسلحتهم في مصائرنا وأعمارنا.
السبب في ذلك كله يرجع لتسييس قضايا حقوق الإنسان، وعجز المنظمات الحقوقية عن إلزام كل الدول دون استثناء بالقوانين الدولية، وتنفيذ أي إجراءات تتخذ من قبل تلك المنظمات أو أحكام تصدر عن المحاكم الدولية التي يهدد رؤساؤها من قبل بعض السياسيين الكبار.
العالم يعلم تمامًا أن دور الأمين العام للأمم المتحدة محدود جدًا، واقتصر على الإعراب عن قلقه رغم محاولاته المتواصلة للتأثير على قرارات الدول العظمى، وأولها الولايات المتحدة الأمريكية التي انسحبت من ست وستين منظمة حقوقية! بل والأدهى أن الرئيس الأمريكي ترمب يحصل على شرعية من الدول العربية والإسلامية أولاً ليصبح رئيسًا لمجلسه الخاص للسلام مدى الحياة، ويحق له وحده تعيين من يخلفه؛ في محاولة منه لتسييس القضايا الحقوقية كما تناسب مصالحه الصهيونية في منطقة الشرق الأوسط، أفلا تعقلون؟!
منظمات حقوقية بغير سلطة تنفيذية ملزمة لجميع الدول، وتدخل أو سطوة دول بعينها على تلك المنظمات؛ يخلق عنصريةً وفسادًا وازدواجيةً للمعايير الأخلاقية وللقوانين الدولية لحقوق الإنسان، كما يعرقل الوصول إلى نتيجة إيجابية عادلة وملموسة، ويتسبب في وقوع خسائر فادحة وجرائم حرب تصل إلى حد الإبادة الجماعية لشعب كامل على أرضه وتوسعات استعمارية تحت شعار البقاء للأقوى، ما يقود العالم إلى حرب عالمية ثالثة لن يستفيد منها سوى الصين التي تعمل في صمت وتتطور بسرعة كبيرة في جميع المجالات متحينة الفرصة لقيادة العالم.
التحالفات السياسية اليومَ مختلفةٌ كُلِّيًّا عن سابقاتها، بل هي صادمةٌ؛ لأن المصالح الشخصية للحكام هي التي تحدد علاقات الدول. فها هي اتفاقاتٌ تُعقَد خلف الأبواب المغلقة بين حكام دول عظمى كانوا بالأمس يقفون لبعضهم البعض بالمرصاد. وها هم رجالُ أعمالٍ يبسطون الأرضَ بالتكنولوجيا والجنس والسلاح والمخدرات؛ ليجعلوا المستحيلَ ممكناً لخدمة أهداف هؤلاء الساسة، بينما نجد حُكَّامَ دولٍ غنيةٍ جداً – منحرفينَ ومتورطينَ – يُسَخِّرون أموالَهم الهائلة لإتمام صفقات مُشبوهة، طمعاً في حمايةٍ زائفة لن تدوم.
بلطجة أمريكا السياسية لا تجد من يقف أمامها لأن الجميع متورط في هذا الفساد بشكل أو بآخر؛ حتى الاتحاد الأوروبي أصبح هشًا مبتزًا يحاول موازنة الأمور بسبب فساد بعض أعضائه وتشتت مواقفهم، فيحاول مسك العصا من الوسط: بالمدح في التاجر المجنون تارة، والضغط على طفله المدلل تارة أخرى، في محاولات يائسة لإنقاذ مصالح أوروبا واتحادها من الانهيار.
آه لو حضرك دانتي يا نتنياهو، لكتب عنك في ملهاته أشعارًا من الواقع لا من وحي خياله الذي يخجل أن يصل إلى ما أوصلت شعب غزة إليه! ومن قرأ ملحمته الشعرية هذه يعرف أن مكانك فيها هو نفس مكانك الآن، ويعرف في أي فصل سيجد اسمك مختارًا بغير ميعاد.
وفي سياق متصل مع “الكوميديا الإلهية” لدانتي، نرى أن فساد الرأسمالية وصل ذروته، وكعادته ينتهي ذلك الجشع الأحمق بكارثة إنسانية تهز العالم ليستفيق من طغيانه الذي انغرز فيه بدعم أو بصمت، على وهن أعظم يقلب الموازين رأسًا على عقب.
آن الأوان أن تتحد دول العالم بكل ما لديها من قوة ووسائل ضغط وأموال لدعم منظمات حقوق الإنسان الدولية في أن تكون لها سلطات تنفيذية حقيقية على جميع الدول دون استثناء، إنما غير ذلك فهو مجرد عبث ونفاق وفساد.
ذكرنا التاريخ ولكنه لم يعلمنا، وآلمتنا الأقدار وللأسف لم ترجعنا عن عنادنا لكي ندرك أن دوام الحال من المحال، وأن الفساد في الأرض له عواقب وخيمة تتجلى صورها في حتمية تبادل الأدوار؛ هذه هي حقيقة الحياة كما عرفناها وكما تناسيناها أيضًا!
لن يغفر لنا التاريخ صمتنا على ما نشهد من جرائم يندى لها جبين كل شريف، ولن يغفر لنا الله ظلمنا غيرنا وأنفسنا بصمتنا عن الحق؛ فنحن أمة تواصت بالصبر ولم تتواصَ بالحق.
كعادتنا نأخذ من الدين ما يناسب مصالحنا، فنحلله لأنفسنا ونحرمه على غيرنا إن لم يكن يناسبنا، ومعنا مفاتيح الجنة والنار نصدر أحكامًا على من يضعف فينا، ونلوم الضحية بدلاً من المجرم.
نتعامى عن الحقيقة إن ضعفنا لنقتل ضمائرنا، فلا نكون من المتقين ولا الخاشعين، فنزيد في فجور أنفسنا ولا نسأل الله أن يلهمنا تقواها، بل نسأله مالاً نحبه حبًا جمًا لنشتري دنيانا بما هو خير وأبقى.
سيسجل التاريخ وسيذكر كل الفظائع، وسيكشف كل الخيانات، فلا دية لخائن؛ إنها فقط مسألة وقت.
بالطبع سيحرف المحرفون – وأقصد هنا المؤرخون الوقحون – الحقائق، ولكن سيشهد الشاهدون على الجرائم بالصوت والصورة والكلمة منطوقة كانت أو مكتوبة، حينها سنكون عبرة تعتبر بها الأمم كلها في مختلف الأزمان؛ لتتعظ مما فعلناه بأنفسنا من تخاذل أدى بنا إلى أن نصبح عبيدًا في هيئة أحرار لا يرثى لحالنا؛ بسبب صمتنا المتواطئ مع الظلم البين على مرأى ومسمع من العالم بأسره!
عبرة، سيذكرها التاريخ كدرس قاس لكل من تسول له نفسه أن يستهين بحق الإنسان على أخيه الإنسان.
بل إن الكوميديا لبست ثوبها الأسود لتعزي حياء ذلك النتن في بث مباشر لإحدى جلسات الأمم المتحدة التي لا نفع منها ولا ضرر؛ فحتى الإعراب عن القلق لم يهنأ به الأمين العام للأمم المتحدة الذي لا حول له ولا قوة، إذ لامه عليه مجرم دولي اتكأ بوقاحته على سياسة البلطجة الأمريكية التي ضمن هيمنتها على الجميع؛ كي يغير من خريطة الشرق الأوسط كيفما يريد، بدعم ممن لهم الكلمة في “أرض الأحلام” له ولمن يسير على خطاه.
ولأن “أرض الميعاد” هي الابنة المدللة لـ “أرض الأحلام”، فكيف لا يحكم الشرق الأوسط شعب مختار تتحقق أحلامه حتى وإن كانت كوابيس لشعب آخر؟!
عار عليك، كيف لك أن تعرب عن قلقك يا أنطونيو؟!