شهدت أسعار الذهب اليوم انخفاضًا مفاجئا وغير متوقع، إذ تراجع سعر الأوقية إلى 5088.84 دولار، بعد أن كان قد سجل مستويات قياسية في الفترة السابقة وهذا التراجع جاء نتيجة عمليات جني الأرباح من قبل المستثمرين، بالإضافة إلى بعض التطورات في التوترات الجيوسياسية.
وفي هذا الشأن، كشف الخبير الاقتصادي أحمد عزام، رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي، في حواره مع “القصة”، أسباب انخفاض سعر الذهب ومكانته كملاذ آمن وتوجهات المستثمرين نحوه:
س/ ما الأسباب الجوهرية وراء الهبوط الحاد في أسعار الذهب خلال فترة قصيرة؟
الهبوط الحاد الذي شهدناه اليوم لم يأتِ لأن الذهب فقد صفته كملاذ آمن فجأة، بل لأن السوق دخل لحظة سيولة قبل كل شيء. الذهب كان قد أغلق يوم الاثنين قرب 5,260$ بعد موجة شراء قوية، ثم بدأ جني أرباح سريع عندما ارتفع الدولار وتراجعت توقعات خفض الفائدة، في وقت كانت فيه أسواق الأسهم والسندات تتعرض لضغط متزامن. في مثل هذه الأيام، المستثمر لا يبيع ما يكره، بل يبيع ما يستطيع بيعه بسرعة لتوفير سيولة وتغطية هوامش، والذهب من أكثر الأصول سيولة.
إلى جانب ذلك، صدمة الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية رفعت علاوة التضخم جرّاء إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكلفة الطاقة من النفط والغاز، فدفعت العوائد للأعلى وغيّرت التسعير النقدي في ساعات، وهذه التركيبة تضرب الذهب من زاويتين دفعة واحدة: دولار أقوى، وتكلفة فرصة أعلى لحيازة أصل لا يدر عائد.
س/ هل يعكس هذا التراجع تغيرا حقيقيا في توجهات المستثمرين أم مجرد تصحيح مؤقت بعد موجة صعود؟
الأقرب أنه تصحيح قاسٍ داخل اتجاه صاعد لم ينكسر بعد، لأن البيانات الكبرى التي تشرح سلوك المال طويل الأجل لا تزال تميل للدعم؛ الذهب ما زال مرتفعا بنحو 19% منذ بداية 2026 بعد صعود بنحو 64% في 2025، وبنوك استثمار رفعت توقعاتها السعرية لعام 2026 رغم التذبذب، ما يعني أن المؤسسات لا تقرأ الحركة كتغيير نهائي في السردية الصاعدة.
الاختبار الحقيقي ليس سرعة الهبوط، بل هل يتحول الهبوط إلى سلسلة قمم وقيعان هابطة مع خروج تدفقات استثمارية مستمرة. حتى الآن، تدفقات الصناديق المدعومة بالذهب كانت قوية في بداية العام، وهذا عادة ما يتعارض مع فكرة خروج جماعي من الذهب، فالأقرب هي عمليات تصحيح وضغوطات بقاء الفائدة المرتفعة في أغلب الاقتصادات الكبرى لفترة أطول.
س/ إلى أي مدى أثرت توقعات أسعار الفائدة الأمريكية في تسريع وتيرة الانخفاض؟
بشكل مباشر وحاسم. سوق العقود الآجلة للفائدة أعاد تسعير توقيت الخفض، الأسواق لم تعد تسعر خفضًا كاملًا قبل سبتمبر بدلًا من يوليو، كما تقلصت رهانات التيسير خلال 2026 إلى نحو 42 نقطة أساس فقط بحلول ديسمبر، أي خفض واحد تقريبا مع جعل الخفض الثاني موضع شك. هذا النوع من إعادة التسعير يضغط على الذهب بسرعة لأنه يرفع سعر الفائدة المتوقع، ويدعم قوة الدولار الأمريكي والتي بدورها تضغط على أداء الذهب سلبًا.
س/ هل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية كان عاملا حاسما في الضغط على الذهب؟
نعم، خصوصًا عوائد السندات القصيرة الأجل لأنها الأكثر حساسية لمسار الفيدرالي. في 3 مارس، عائد السندات الأميركية لأجل عامين ارتفع إلى نحو 3.508% بعد أن لامس 3.599% خلال الجلسة، في سياق اندفاع نحو السيولة وتراجع أسعار السندات عالميًا. عندما يرتفع العائد بهذه السرعة، ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب، وتتعاظم جاذبية الدولار كملاذ سائل ومُدر للعائد في الوقت نفسه.
والتفاصيل المهمة هنا؛ الذهب لا يتصارع مع العائد الاسمي فقط، بل مع العائد الحقيقي أيضًا. لذلك، إذا كان ارتفاع العوائد ناتجًا عن صعود توقعات التضخم وحدها فقد يكون الأثر أقل سلبية. لكن حين يرتفع العائد ويتقوى الدولار معًا، يصبح الضغط مزدوجا، وهذا ما حدث.
س/ لماذا لم يحافظ الذهب على مكانته كملاذ آمن رغم استمرار التوترات الجيوسياسية؟
لأن الملاذ ليس عنوانًا واحدًا في كل المراحل. في الموجة الأولى للأزمات، السوق كثيرًا ما يشتري الدولار أولًا باعتباره أقرب شيء للنقد، خصوصًا عندما ترتفع تقلبات الأسهم والسندات وتظهر هوامش إضافية ومطالبات تغطية. فظهرت فكرة “اندفاع نحو النقد”، وأن بعض المستثمرين وحتى حاملي السندات الأجانب باعوا لتعزيز السيولة. فالذهب قد يُباع مؤقتًا ليس لأنه فقد دوره كملاذ آمن، بل لأن السوق والمستثمرون بحتاجون إلى السيولة.
كما أن جزء كبير من علاوة الخطر كان قد تم تسعيره بسرعة عندما أغلق الذهب قرب 5,260$ يوم الاثنين، ثم تحولت المعادلة إلى جني أرباح عند أول إعادة تسعير للفائدة والدولار، وانخفاض للأسهم.
س/ هل شهدت صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب موجة تخارج كبيرة خلال الأيام الأخيرة؟
المتاح من بيانات موثوقة حتى الآن لا يدعم سردية تخارج كبير على مستوى الصناديق. مجلس الذهب العالمي وثّق أن يناير سجل تدفقات قياسية بنحو 19 مليار دولار إلى الصناديق المدعومة بالذهب، وارتفاع الحيازات إلى 4,145 طنًا، مع صعود الأصول المُدارة إلى 669 مليار دولار.
كما تشير التقارير إلى أن الصناديق الأمريكية المدرجة جذبت صافي تدفقات بنحو 4.5 مليارات دولار في فبراير، لترتفع حصيلة 2026 حتى نهاية فبراير إلى نحو 10.5 مليارات دولار. هذا لا ينفي حدوث بيع تكتيكي في سوق العقود أو من محافظ الرافعة المالية، لكنه يعني أن المستثمر الذي يشتري الذهب كأصل استراتيجي لم يظهر أنه خرج جماعيًا، لكن يبقى ارتفاع الأرقام في صناديق الاستثمار خطر على تغير اتجاه الذهب على المدى القصير إلى المتوسط، حيث يعطي احتمالية تخارج السيولة بشكل كبير وسريع للمحاولة لتوفير السيولة للمستثمرين والحفاظ على المراكز الخاسرة في الأدوات المالية الآخرى، أي بيع الأصل الرابح لحماية الأصل الخاسر. حيث يبحث المستثمرون دائمًا لتوفير السيولة في ظل حالة عدم اليقين التي تضرب الجبهة الجيوسياسية والاقتصادية والتجارية.
س/ ما مستويات الأسعار التي تعتبرونها نقاط دعم رئيسية قد توقف النزيف الحالي؟
على المستوى الفني والتموضعي، هناك منطقتين مفصلية على المدى القصير:
5,000$ مستوى نفسي وفني، وسبق أن اعتُبر كسر هذا المستوى محفزا لتسارع البيع في مناسبات قريبة.
4,400$ إلى 4,600$ منطقة دعم ثقيلة، وهي تتقاطع أيضا مع قاع حاد تم تسجيله قرب 4,403$ في موجة تذبذب سابقة هذا العام، ما يمنحها وزنًا إضافيًا في ذاكرة السوق، ودعم يُعتد فيه. أي كسر لمستويات 4400$ قد يعني أن الذهب قد فقد واحد من أقوى الدعوم السعرية المتواجدة على الرسم البياني على المدى المتوسط.
هل تتوقعون استمرار الاتجاه الهابط خلال الربع المقبل أم ترون فرصا لارتداد قوي؟
خلال الربع المقبل، الأرجح أن الذهب لن يسلك اتجاهاً هابطًا سلسًا ولا صعودًا مضمونًا، بل سيبقى في تذبذب واسع تحكمه التقلبات السعرية المرتفعة جراء معادلة مزدوجة – التوترات الجيوسياسية ترفع طلب التحوط وترفع علاوة المخاطر، لكن صدمة الطاقة نفسها تُغذّي تضخمًا يدفع العوائد الأميركية والدولار للصعود ويقلّص رهانات خفض الفائدة، وهذا يضغط على الذهب لأنه يزيد تكلفة الاحتفاظ به كأصل بلا عائد. لذلك، استمرار الهبوط يصبح مرجحًا فقط إذا بقيت البيانات الأميركية قوية بما يكفي لإبقاء سياسة “فائدة أعلى لفترة أطول” مع ارتفاع العوائد ومع تعيين رئيس الفيدرالي الجديد، أما فرص الارتداد القوي فتزداد عندما يتوقف صعود العوائد والدولار أو تبدأ الأسواق بإعادة تسعير خفض الفائدة، بينما تبقى علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة. لذلك الميول أن يكون تذبذب عالي النطاق محكوم بصمود مستويات 4400$ لعودة الارتدادات والاتجاه الصعودي نحو اختبار مستويات 5400$ والتي تحتاج الأسواق والمستثمرين اختراقها بشكل واضح لاختبار القمة السعرية حول مستويات 5600$ مرة آخرى.
س/ كيف تنظرون إلى سلوك البنوك المركزية عالميا؟ وهل لا تزال مشتريا صافيا للذهب؟
الصورة الكبرى ما زالت شراء صافيًا، لكن الوتيرة هدأت. مجلس الذهب العالمي قدّر مشتريات البنوك المركزية في 2025 بنحو 863 طنا، أقل من مستويات تجاوزت 1,000 طن في السنوات الثلاث السابقة، مع بقاء بولندا أكبر مشتر للعام الثاني بإضافة 102 طن.
وفي بداية 2026، أظهرت بيانات مجلس الذهب أن صافي مشتريات يناير بلغ 5 أطنان فقط مقابل متوسط شهري 27 طنًا في 2025، مع وجود مشترين مثل أوزبكستان 9 أطنان وبائعين مثل روسيا 9 أطنان. هذا يعني أن الدافع الاستراتيجي لم يختف، لكنه أصبح أكثر انتقائية وحساسية للسعر المرتفع والتوقيت. من المتوقع أن ترتفع وتيرة الشراء في حال انخفاض السعري، على ما يبدو أن البنوك قد خففت وتيرة الشراء للذهب نظرًا لارتفاع السعر أكثر منه تغير استراتيجي في امتلاك الذهب كأصل استراتيجي سيادي بعيدًا عن أصل مالي نافذ وتحت سيطرة متحكم واحد.
س/ ما السيناريوهات الأكثر ترجيحا لحركة الذهب إذا استمرت البيانات الاقتصادية الأمريكية قوية؟
إذا استمرت البيانات قوية بمعنى نمو ومتانة سوق عمل دون تباطؤ واضح، فالسيناريو الأول هو تأجيل خفض الفائدة أكثر، ما يبقي العوائد القصيرة والدولار في وضع داعم ويضع سقفًا على صعود الذهب أو يدفعه لتصحيح أعمق، خصوصًا إذا ترافقت القوة الاقتصادية مع انحسار مخاطر الطاقة.
السيناريو الثاني أكثر تعقيدًا؛ بيانات قوية لكن مع تضخم أكثر صلابة بسبب سعر الطاقة المرتفع. هنا قد ترتفع توقعات التضخم بالتوازي، وقد لا ترتفع العوائد الحقيقية بنفس الوتيرة، فيصبح الضغط على الذهب أقل، بل قد يعود الذهب ليستفيد كتحوط من ارتفاع الأسعار، خاصة إذا بقيت علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة. وهذا بالضبط سبب أن قوة البيانات لا تكفي وحدها لتحديد اتجاه الذهب؛ العامل الفاصل هو مسار العائد الحقيقي والدولار وحدة التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على الأصول المالية الآخرى.