طفحت مجاري بعض الدول علينا نماذج في عالم الكتابة لا تعرف للعرفان طريقًا، ولا تُجيد سوى نكران الجميل، حتى لتكاد تظن أن الذاكرة لديها انتقائية، لا تستبقي إلا ما يخدم نوبات الاستفزاز العابر.
ولعل ما كتبه المدعي، فؤاد الهاشم، مؤخرًا يندرج تحت هذا الباب؛ حيث يتحول القلم من أداة وعي إلى وسيلة ضجيج وسباب، ومن منصة رأي إلى مسرح للتهكم الرخيص.
إن العجيب في الأمر أن من يتصدر هذا الخطاب يتناسى أو يتجاهل، حقيقة بسيطة يعرفها القاصي والداني، هي أن مصر التي يهاجمها اليوم، كان أبناؤها يعلمون ويداوون أمثال هذا الغاشم. فمن علمه يوما، ومن ساهم في تكوين وعيه، ومن مد له يد العون في لحظات المرض والضعف، هم أبناء هذه الأرض التي يحاول اختزالها في صورة هزلية. فهل هكذا يكون رد الجميل؟ أم أن الذاكرة قد أُصيبت بعطب لا يمكن شفاؤه؟
ثم نأتي إلى ذلك المستوى المتدني من الطرح، حين انشغل في زيارته لمصر، التي تحدث عنها في “البذاءات” التي سطرها، بالكلاب وعددها، وبالفسق والفجور، والأفعال المشينة، التي لم تكن بعيدة عن مسقط رأسه. وعلى ما يبدو أنه لم يتشبع هناك، فأتى إلى مصر، التي يُنجز أبناؤها عملهم على أكمل وجه، لينشغل بما لا يليق بكاتبٍ يفترض فيه تناول قضايا أمته. فمن غير الممكن أن يحني رأسه لبني جلدته، بل فضّل أن يحنيها في مصر.
كما أن انشغاله بالكلاب وعددها أثار الشكوك والتساؤلات بداخلي، ألهذا الحد وصل بك “الشذوذ” أيها “الهاشم” المعطوب؟ أم أن “الطيور على أشكالها تقع؟”.
فكما نعلم وتعلمنا، أن الكاتب يفترض فيه أن يتناول القضايا التي تشغل الرأي العام، بمختلف اتجاهاتها، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا لها. أما أن ينشغل المرء بهذا القدر من التفاهة، فبأي معيار يقاس عقله؟
إن تاريخ هذا الجاحد، مليء بالعداءات والحقد الدفين تجاه مصر والمصريين، كما أن شقيقته، التي كانت عضوًا سابقًا في البرلمان الكويتي، لم تتوقف- آنذاك- عن مهاجمة الجالية المصرية في الكويت، وكأن هناك سرًا لا يعرفه الكثير عنهم.
وأعلم جيدًا أن هذا الذي ينبح لا يعبّر عن الكويت الشقيقة، حكومةً وشعبًا، وأنه لا يمثل إلا نفسه، خاصة بعد أن غاب عن المشهد الإعلامي في بلده، ولم يعد له موضع بين منابرها.
إن المحبة المتبادلة بين الشعبين المصري والكويتي لا يمكن أن يؤثر فيها مثل هذا الذي شغلته كلاب مصر، وأن العلاقة بين البلدين ستظل باقية أبد الدهر.
وكما لا ينكر الكثير من الشرفاء في الكويت فضل مصر سابقًا، فإننا نُقدّر للكويت مواقفها إلى جانب مصر في أوقات كثيرة، وهو ما يعكس عمق الروابط بين الشعبين، بعيدًا عن أصوات النشاز.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة لا لبس فيها: أن مصر أكبر من أن تُمس بمقال، وأعمق من أن تُفهم بعين ضيقة، وأرسخ من أن تهزها كلمات كتبت بلا وعي.
أما من يكتبون لمجرد الصخب والشهرة، فمصير كلماتهم أن تتلاشى، ويبقى فقط ما له قيمة ومعنى.