في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم تعد الأزمات المالية مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية للدول، سواء في المنطقة العربية أو على مستوى العالم.
وبين ضغوط العجز وتزايد الالتزامات، تتجه الحكومات إلى تبني قرارات أكثر صرامة لضبط الإنفاق وتعزيز الموارد، بما ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
السؤال الذي بات يتواتر كل يوم: هل تجبر تداعيات حرب إيران دول الخليج على الانسحاب من حياة المواطن؟ وهل انتهى بالفعل عصر الدولة الراعية؟
نقدم في هذا التقرير قراءة تحليلية لهذه التحولات، مع تسليط الضوء على تغير توجهات دول الخليج من نموذج اقتصادي قائم على الانفتاح إلى سياسات تفرض أعباءً إضافية، وأبرز الأدوات التي يتم اللجوء إليها لمواجهة العجز وتغطية الالتزامات المالية.
خصوصية الدول الملكية وصعوبة مقارنتها
وفي هذا السياق قال دكتور مختار غباشي المحلل السياسى ل”لقصه” إن الدول الخليجية هي دول ملكية، ولا يمكن قياس أوضاعها على دول أخرى، نظرًا لخصوصية طبيعة أنظمتها السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن هذه الدول، بحكم كونها نفطية، تمتلك قدرات كبيرة تؤهلها لتوفير مستوى معيشة مرتفع لمواطنيها، ما يجعل الحديث عن تغييرات جوهرية داخلها أمرًا غير دقيق في الوقت الراهن.
رفاهية المواطن ومعادلة الدخل والعدد
وأضاف غباشي أن حياة المواطن في دول الخليج تُعد مريحة إلى حد كبير، حيث يشكل عدد السكان مقارنة بحجم الدخل معادلة متوازنة تسهم في تحقيق الاستقرار.
وأشار إلى أنه رغم التوترات أو الحروب المحيطة، فمن غير المتوقع أن تؤدي إلى سياسات تقشف واسعة، نظرًا لكون هذه الدول غنية وتمتلك مصادر دخل قوية، ما ينعكس إيجابيًا على مستوى معيشة المواطن مقارنة بالعديد من الدول العربية.
قدرة الأنظمة على الاحتواء والحفاظ على الاستقرار
وأكد الغباشي أن العائلات الحاكمة في دول الخليج تمتلك قدرة كبيرة على احتواء المواطنين وإقناعهم، مستشهدًا بما حدث خلال ثورات عام 2011، عندما سارعت العديد من هذه الدول إلى تقديم مخصصات مالية لمواطنيها لتعزيز الاستقرار.
وأشار إلى أن استمرارية هذا الاستقرار ترتبط بالحفاظ على معدلات إنتاج النفط وارتفاع عوائده، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على تحسين أوضاع المواطنين.
كما أشار على أن الأنظمة الملكية تدرك جيدًا أن رضا المواطن يمثل رصيدًا أساسيًا لاستمرارها، وأن أي تدهور في مستوى المعيشة قد يؤدي إلى اضطرابات تهدد استقرار الحكم.
واختتم بالتأكيد على أن دول الخليج تتحرك وفق معطيات مدروسة، تنتقل من مرحلة إلى أخرى بما يخدم في النهاية مصلحة المواطن، التي تظل أولوية لا يمكن تجاوزها.
من اقتصاد مفتوح إلى ضغوط مالية متزايدة
من جانبه قال الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن دول الخليج لم تعرف يومًا مفهوم الدولة الراعية بالمعنى التقليدي، بل اعتمدت على اقتصاد مفتوح قائم على جذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط الأسواق،غير أن تفاقم الأزمات الاقتصادية، وارتفاع مستويات العجز في الموازنات، إلى جانب زيادة حجم الديون، أدى إلى تغيرات ملحوظة في توجهات الدولة الاقتصادية، كان أبرزها تحميل المواطنين جزءًا من أعباء هذه الأزمات.
الضرائب كبديل… والزكاة لا تكفي
وأضاف الميرغني أن التجربة أثبتت أن الاعتماد على الزكاة وحدها لا يكفي لتغطية احتياجات الموارد المالية للدولة، خاصة في ظل الالتزامات المتزايدة. لذلك، تلجأ الحكومات إلى فرض ضرائب على الدخول كأداة أساسية لتقليل العجز في الموازنة، وتوفير موارد إضافية تضمن استمرارية الإنفاق وتلبية الاحتياجات الاقتصادية.