ما شهدته مصر مؤخرًا لم يكن مجرد تداعيات لصراع إقليمي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة التوازنات، وكشف في الوقت نفسه عن تحديات داخلية تحتاج إلى معالجة جادة وسريعة.
لا يمكن إنكار أن ما وصلت إليه المؤسسة العسكرية المصرية من قوة وتسليح متطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وجعل هذا التطور من مصر دولة قوية قادرة على حماية حدودها ومصالحها، وفي الوقت نفسه حافظ على بقائها خارج دائرة الصراع المباشر.
وهذه المعادلة الصعبة — القوة دون الانجرار إلى الحرب — هي ما جعل مصر لاعبًا إقليميًا مهمًا ووسيطًا يُعتمد عليه في تهدئة النزاعات بدلًا من أن تكون طرفًا فيها، وهي نقطة تُحسب بوضوح لصانع القرار، وتعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة.
لكن، وعلى الجانب الآخر، كشفت الأزمة أن مفهوم الأمن القومي يمتد ليشمل الاقتصاد والطاقة والغذاء، فما حدث من انقطاع أو ترشيد للكهرباء، وارتفاع في أسعار الوقود، وما انعكس عنه من زيادة في أسعار السلع والخدمات، يؤكد وجود فجوة يجب التعامل معها بجدية.
وهنا تحديدًا يأتي دور الحكومة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى استثمارها، فالأزمة الحالية يجب ألا تُطوى صفحاتها بمجرد انتهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل ينبغي أن تُفتح من خلالها ملفات جديدة للإصلاح الحقيقي.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات تقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في السلع الأساسية ومصادر الطاقة. فلا يمكن لدولة بحجم مصر أن تظل رهينة لتقلبات الخارج في ملفات بهذه الحساسية.
إن الاستثمار الداخلي بالعملة المحلية يمكن أن يحقق ثمارًا مهمة، في مقدمتها تقليل الحاجة إلى الدولار، الذي أصبحت العملة المحلية في حاجة ماسة إليه.
والاعتماد المستمر على القروض، وفي مقدمتها برامج صندوق النقد، لم يعد حلًا مستدامًا بقدر ما أصبح عبئًا على المواطن. فهذا النهج، رغم ضرورته في بعض الأحيان، لم يحقق الانطلاقة الإنتاجية المطلوبة، وبات يستدعي مراجعة جادة والبحث عن بدائل قائمة على التصنيع وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
وفي مجال الزراعة، تبرز فرصة ذهبية لم تُستغل بالشكل الكافي، فالأراضي الصحراوية القابلة للاستصلاح تمثل موردًا واعدًا، لكنها تحتاج إلى خطط تنفيذية واضحة، لا مجرد شعارات.
فلماذا لا يتم إطلاق مشروع وطني حقيقي يقوم على تخصيص أراضٍ للشباب، مع تقديم تسهيلات تمويلية من البنوك، وإشراف فني وزراعي من الدولة؟ نحن أمام معادلة رابحة إذا أُحسن تنفيذها، تجمع بين تشغيل الشباب، وزيادة الإنتاج، وتقليل الاستيراد، وتوفير العملة الصعبة.
أما في ملف الطاقة، فقد أثبتت الأزمة أن التفكير التقليدي لم يعد كافيًا. فالطاقة الشمسية لم تعد رفاهية أو خيارًا بيئيًا فقط، بل أصبحت ضرورة اقتصادية. ويمكن لإنارة الشوارع بالطاقة الشمسية أن تسهم في تقليل الضغط على الشبكة الكهربائية، كما أن دعم تركيب الأنظمة الشمسية في المنازل بنظام تقسيط طويل الأجل قد يحدث تحولًا حقيقيًا في نمط الاستهلاك.
ولنا أن نتخيل لو تحولت آلاف المنازل إلى وحدات لإنتاج الطاقة، وأصبح لدينا فائض يمكن توجيهه للصناعة أو حتى تصديره. هذا ليس حلمًا بعيدًا، بل هدف قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة والتخطيط.
إن الاستثمار الداخلي بالعملة المحلية يمثل خيارًا بديلًا ومشروعًا في ظل تباطؤ الاستثمار الخارجي بالعملة الصعبة، إذ يسهم بدرجة كبيرة في تقليل الاعتماد على الدولار.
كذلك، من المهم إعادة النظر في أولويات الاستثمار؛ فليست كل الاستثمارات التي تحقق عائدًا سريعًا تكون مفيدة على المدى الطويل. ويجب أن يتصدر الأمن الغذائي والطاقة قائمة الأولويات، باعتبارهما خط الدفاع الأول في أي أزمة.
ومع الإشادة بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستقرارها في ظل محيط إقليمي مضطرب، فإن الاستقرار الحقيقي لا يكتمل إلا باقتصاد قوي قادر على امتصاص الصدمات وتوفير حياة كريمة للمواطنين.
إن مصر تمتلك جميع مقومات الدول القوية المتقدمة؛ من جيش قوي، وموقع استراتيجي، وموارد طبيعية، وشعب قادر على الإنتاج. وما نحتاجه الآن هو تسريع وتيرة الإصلاح، والخروج من الأطر التقليدية في التفكير، وتحويل كل أزمة إلى نقطة انطلاق جديدة.