في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ فقط، بل بعدد الأيام التي يُسمح فيها للصمت أن يحل محل الانفجارات.
إعلان هدنة لمدة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان قد يبدو، للوهلة الأولى، خطوة نحو التهدئة. لكنه في الواقع أقرب إلى هدنة تكتيكية ضمن صراع أوسع وأكثر تعقيدًا، يتشابك فيه المحلي بالإقليمي والدولي.
الهدنة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولمدة عشرة أيام تأتي بعد أسابيع من تصعيد دموي اسرائيلي في لبنان أسفر عن مقتل أكثر من ألفي شخص وتشريد مئات الآلاف نتيجة الضربات الإسرائيلية والتي لم تكتفي فقط بالضاحية الجنوبية و جنوب لبنان، بل ووصلت حتى إلى قلب العاصمة بيروت! وبينما رحبت الحكومة اللبنانية بهذه الخطوة، فإن الترحيب هنا لا يعكس بالضرورة ثقة في استدامة الهدوء، بقدر ما يعكس حاجة ملحة لالتقاط الأنفاس.
لكن هذه الهدنة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الأكبر: الحرب الأمريكية–الإيرانية. فلبنان ليس سوى إحدى ساحات هذا الصراع، ويمكن اعتبارها أداة ضغط إقليمية في مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران. ومن هنا، تبدو الهدنة وكأنها محاولة لتهيئة المسرح لجولة جديدة من المفاوضات، وليس لإنهاء الحرب فعلياً.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً، هل تلتزم اسرائيل هذه المرة بوقف اطلاق النار أم تخرقه كما فعلت من قبل؟
في هذا السياق، يبرز الدور الباكستاني كعنصر لافت. فقد أكد قائد الجيش الباكستاني، خلال لقاءات في طهران، استمرار بلاده في بذل الجهود لاحتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة تعكس سعي إسلام آباد للعب دور الوسيط بين الطرفين. كما أشارت تقديرات أمريكية إلى إمكانية عقد جولة ثانية من المحادثات في اسلام أباد، ما يعزز من موقعها كقناة اتصال محتملة في ظل انعدام الثقة المباشر بين واشنطن وطهران. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الوساطة مرهونًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، لا مجرد كسب الوقت.
ومن الجانب الإيراني، تبدو الهدنة جزءًا من تكتيك أوسع، لا تحولًا استراتيجيًا نحو التهدئة. فطهران تواصل إرسال إشارات مزدوجة: انفتاح مشروط على التفاوض، مقابل تأكيد واضح على الاستعداد للرد العسكري إذا فشلت المحادثات. كما ترفض إيران حتى الآن أي قيود جوهرية على برنامجها النووي، ما يجعل جوهر الخلاف مع الولايات المتحدة قائمًا دون تغيير.
في المقابل، لا تبدو واشنطن بعيدة عن هذا النهج المزدوج. فبينما تتحدث عن فرصة للدبلوماسية، كشف مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاجون، أن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم حاليًا بـ”إعادة التسلح”، وارسال آلاف الجنود، والاستعداد لاحتمال استئناف العمليات العسكرية في حال انهيار المفاوضات. هذه التصريحات لا تعكس فقط الحذر، بل تؤكد أن خيار الحرب لا يزال حاضرًا بقوة على الطاولة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة من أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى استخدام القوة ضد أي سفن تحاول كسر الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية. وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد خطير في الممرات المائية، حيث يمكن لأي احتكاك محدود أن يتحول إلى مواجهة واسعة.
الأخطر من ذلك أن الهدنة نفسها هشة بطبيعتها. فإسرائيل لم تُظهر التزامًا واضحًا بتغيير قواعد الاشتباك خلال فترة التهدئة، في حين يربط حزب الله استمرارها بوقف كامل للعمليات العسكرية. هذا التباين في التوقعات يجعل من أي خرق محتمل شرارة لإعادة الاشتعال.
في المحصلة، نحن أمام مشهد لا يحمل ملامح سلام حقيقي، بل توازنًا مؤقتًا للقوى ووقف مؤقت لإطلاق النا، فهدنة العشرة أيام قد تمنح الدبلوماسية فرصة، لكنها في الوقت ذاته تمنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع والاستعداد.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الهدنة ستصمد خلال هذه الفترة ، بل ما إذا كان هناك ما هو أبعد من هذه الأيام العشرة. فالتاريخ القريب في المنطقة يقول إن الهدن القصيرة كثيرًا ما تكون مجرد فواصل بين فصول أطول من الصراع.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى الحقيقة الأوضح: الأوضاع لازالت على صفيح ساخن، وربما هذه الهدنة ليست نهاية الحرب، بل ربما مجرد إعادة ترتيب لها بأشكال أخرى.