يعتبر القضاء المصري حاميًا للأخلاق والقيم، ومدافعًا عن الأمن القومي، وهناك خلافات بين القضاء كسلطة والحركة الاجتماعية المصرية، يأتي على رأسها التعليق على أحكام القضاء، وأصبح مسارًا للنقاشات في المجتمع المصري، وخاصة المجتمع القانوني والحقوقي، وفي أروقة المجتمع المدني بكل أشكاله، من نقابات وأحزاب ومؤسسات اتسمت سياسيًا وقانونيًا بالطابع الجماهيري.
المبرر الأول كان في القاعدة الفقهية المعروفة بحرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، خاصة مع إحالة الكثيرين إلى نيابة أمن الدولة، ثم إلى محاكم الإرهاب التي صدر قانون تأسيسها لإنشاء محاكم متخصصة تنظر القضايا المرتبطة بالنشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمواطنين، سواء كانوا بشكل مفرد أو بشكل تنظيمي، في إطار مدى تأثير هذا النشاط على الأمن القومي والمجتمع المصري وقيمه وتقاليده، على حدِّ نص القانون.
أصل هذه القاعدة هو “حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته”، وهي مبدأ أساسي في قانون الإجراءات الجنائية، تقوم على فكرة أن القاضي يتمتع بسلطة تقديرية كاملة في تكوين قناعته بشأن وقائع الدعوى والأدلة المقدمة أمامه، دون قيود قانونية تحدد مسبقًا قيمة أدلة معينة أو تفرض عليه اتباع منهجية جامدة في التقييم. ويعني ذلك أن القاضي الجنائي حر في الأخذ بأي دليل يراه مقنعًا، وطرح ما يراه غير ذلك، طالما أن الأدلة قد عُرضت في محاكمة علنية ونُوقشت بحضور الخصوم، واستند في حكمه إلى أسباب سائغة ومعقولة تؤدي إلى ما انتهى إليه. ويستند هذا المبدأ إلى مقتضيات الاقتناع الشخصي للقاضي، وهو ما يميز النظام الجنائي عن النظام المدني حيث تخضع الأدلة لقواعد قانونية معينة. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل مقيدة بضمانات أساسية، منها: أن يكون الاقتناع مبنيًا على أدلة مشروعة، وأن يعلن القاضي أسباب حكمه، وخضوع حكمه للرقابة من قبل محكمة النقض أو التمييز. ويُعد هذا المبدأ تجسيدًا لمبدأ “الأدلة المعنوية” مقابل “الأدلة القانونية” التي كانت سائدة في الماضي.
يقوم هذا المبدأ على الكثير من الأسس الشخصية، كنظرية الاقتناع الشخصي للقاضي دون إلزامه من القانون، والأساس النفسي كمنطق القاضي، لكن بالتأكيد، هذا لا يعني أن سلطة القاضي ممنوحة دون رقيب؛ فالقاعدة كما أقرت حقه في تكوين عقيدته، أكدت على ضرورة تسبيب حكمه حتى يتسنى للقاضي الأعلى مراقبة أحكامه ومدى ترابط الأدلة التي ساقها إلى ما وصل إليه من نتائج، بالإضافة إلى رقابة المتقاضين والجمهور الذين يعتبرون الضمانة الرئيسية للأخذ بهذه القاعدة.
المبرر الثاني هو أن الدولة المصرية تمر بظروف استثنائية تستدعي التجاوز عن بعض حقوق المواطنين، حتى يتسنى للدولة مواجهة هذه الظروف. وهذا الأمر يتجلى في نظرية الظروف الاستثنائية باعتبارها النظرية التي أقرها قضاء المشروعية باعتباره الرقيب على أعمال الدولة. إلا أن تطبيق هذه النظرية يستدعي وجود ثلاثة شروط: وجود خطر حالٍّ (ليس مستقبليًا ولا افتراضيًا)، وأن يعجز القانون العادي عن مواجهة هذا الخطر، وأن يكون القصد من تطبيق هذه النظرية هو تحقيق الصالح العام.
على الجانب الآخر، هناك مبررات أنا أتفق معها تمامًا، تؤكد على ضرورة التعليق على أحكام القضاء بل نقدها في بعض الأحيان، أولها الحق في التعبير عن الرأي أول، باعتباره حقًا شخصيًا يرتبط بالمواطنين المصريين دون تمييز أو قيد، وهذا الحق قد يصبح سببًا في ملاحقة صاحبه مدنيًا أو جنائيًا، خاصة إذا تعلق الحكم القضائي بالمصلحة الشخصية للمواطن أو بحق من حقوقه الأصيلة والمكتسبة، وبالتأكيد، فإن التعليق أو النقد على هذا الحكم يرتبط بشكل رئيسي بتعبير المواطنين عن ثقتهم في القضاء من عدمه.
الأمر الآخر دستوري خالص، يتعلق بعلانية الجلسات وصدور الأحكام باسم الشعب؛ فالأحكام القضائية، بموجب الدستور، تصدر تحت رقابة الجماهير وأدواتها. والجزء الأهم أنه بموجب هذه النصوص يلتزم القضاة بتذليل كل السبل لبسط هذه الرقابة، لضمان الثقة بين المواطنين والقضاة، باعتبار هذه الثقة مؤشرًا عامًا وواضحًا على ما تبذله الدولة من جهود لحماية مواطنيها. وهذا يجعل القول بعدم جواز التعليق على أحكام القضاة منافيًا للدستور المصري ذاته.
الأمر الأخير، وهو أمر بديهي، تستدعيه طبيعة مهنة المحاماة؛ فالحكم القضائي بالنسبة للمحامي، إذا خسر دعواه أو رأى فيه انتهاكًا لحقوق موكله، يظل محل نزاع دائم، قد يصل به الأمر إلى تتبعه أمام محكمة دولية بعد استنفاد كافة الطرق القانونية العادية وغير العادية. بل وحتى بعد استنفاد هذه الطرق، يظل عليه أن يناضل بكل وسيلة ممكنة لإثبات ما يدعيه، باعتباره يملك من الوعي والبحث ما يجعل رأيه القانوني مستندًا إلى اتجاه في الفقه القانوني.
أخيرًا، أرى أن مسؤولية القضاة، باعتبارهم أفرادًا في مرفق من مرافق الدولة وهو مرفق العدالة، تجعل منهم مقدمي خدمة للمواطنين المصريين، خاضعين مثل غيرهم في عملهم للدستور والقانون، فضلاً عن الرقابة الشعبية من منظمات المجتمع المدني. إن الحق الأصيل هو أن تُقدم هذه الخدمة لصالح هذا الشعب المصري، وأن المعيار الفاصل في تقييمها هو رضا الجماهير عنها، ومدى قناعتهم بشفافيتها ونزاهتها وقدرتها على أداء دورها. ولن تكون هذه الخدمة مكتملة الأركان دون تمتع المحامين في هذا الوطن بالحقوق والضمانات المهنية اللازمة لأداء دورهم، وذلك تحت رقابة تنظيمهم النقابي المسؤول عن الدفاع عن حقوقهم وتحسين شروط ممارسة مهنتهم.