ذات يوم قال “أحمد زويل” إن الفرق بين الغرب والعرب أن الغرب يدعم الفاشل حتى ينجح، وأن العرب يهاجمون الناجح حتى يفشل، ويشير التربويون إلى استراتيجية تدريس تسمى بالألعاب، وتقوم على شرح المناهج وتعديل السلوك عبر لعبة كأن نبعثر المواقع الإعرابية (مبتدأ، مفعول به… إلخ) ونضع ثلاثة سِلال للحالات الإعرابية (مرفوع، منصوب، مجرور) ونطلب من طالب أن يضع كل موقع في سلةِ الحالة المناسبة، وكأن نراقب سلوك الطلاب في أثناء لعبة ثم نعدل أخطاءهم.
حين سئل “أينشتاين” لماذا يرتدي بذلة واحدة وحذاء واحدًا دائمًا قال: “أرتدي كل يوم بذلة وحذاء، لكن جميع ملابسي باللون نفسه؛ لأنه لا وقت لدي للاختيار” هذا الرجل الذي كرَّس حياته للعلم، وتذهب رواية إلى أن علماء ألمانيا هربوه إلى “أمريكا” ليساعدها في إنتاج القنبلة النووية؛ لأنهم اقتربوا من إنتاجها، ولا بد من وجود دولة أخرى تمتلكها حتى لا ينفرد بها “هتلر” فيدمر العالم دون خوف؛ وما يقوي هذه الرواية، تأويلات تسريب عالمين في “أمريكا” لأسرار القنبلة النووية إلى “روسيا” في 1949، “ثيودور هول” الأمريكي الذي قال في بيان صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1997، قبل وفاته بعامين: “أثناء عام 1944، كان القلق يساورني بشأن خطورة احتكار أمريكا للسلاح النووي”، و “ميليتا نوروود” البريطانية التي قالت في التحقيقات: “النظام السوفييتي كان يمنح البسطاء الخبز والتعليم والرعاية الصحية وأردت أن تصبح روسيا دولة عظمى ولديها الحق في الدفاع عن النفس”.
“أينشتاين” في خضم كل هذا، وفي لهاثه للوصول إلى نسبيته والدفاع عنها، لم يستطع أن يتقبل خطأ مجتمعيًّا؛ لذلك توجه إلى طلابه وحل على السبورة عشرين مسألة بطريقة صحيحة، ثم حل مسألة بطريقة خاطئة فضجَّ المدرجُ بالاعتراض؛ انتظر حتى انتهى الضجيج وأشار إلى المسائل الصحيحة: لماذا نسيتم كل هذا؟
تابعت المباراة ككل المصريين الباحثين عن فرصة للفرحة، ككل المصريين الذين يعرفون أن الكرة الآن صناعة ثقيلة، وأننا إن حققنا تقدمًا فيها فسيقودنا هذا بالضرورة إلى السعي في مجالات متعددة، ومثل الفريق بالنسبة لي عينة دالة وممثلة للسكان الأصليين لمصر، ويمكنك أن تقرأ تصريح مصطفى زيكو وأمنيته باستمرار حياة والده، رحمة الله عليه، ليعوضه بعض ما قاسى، وتابعت صلابة محمد هاني الذي تعرض للاعتداء العنيف في المباراة ومع ذلك صمد حتى صافرة النهاية، وكانت لحظة رفع محمد صلاح يديه إلى السماء وبكائه، ولحظة رفع حسام حسن لعلم فلسطين تجسيدًا للمصريين المصريين جميعًا؛ فرغم كل الصعوبات نحاول، وكل رغم الاستهداف والإفقار والتشويه لا تفسد بوصلتنا الوطنية!
لكنني وجدت ذلك العيب يظهر ثانية؛ الهجوم على مجتهد مثابر لخطأ تم تجاوزه، ورغم أن مشجعي كرة القدم يعرفون أن باجيو أصبح أسطورة الكرة الإيطالية، ومعبود جماهيرها، وأن تضييعه لركلة جزاء جعل البرازيل تحصل على كأس العالم 1994 لم يغير من حب الجماهير شيئًا، وأن انفعال زين الدين زيدان الذي أدى إلى طرده في نهائي كأس العالم 2006، لم يسقطه في عين محبيه؛ فإننا نصلب لاعبًا مجتهدًا لخطأ لم يؤثر، وأتساءل: هل تضييع مرموش هدفًا سهلاً أكيدًا وفريقه متقدم، كخطأ هاني؟ ثم أعود لنفسي: هل الحياة هكذا؟ هل العلم هكذا؟ الأصل هو أن النظرية العلمية تقوم على فرض ثبت صحته لا على عدة فروض انتفت صحتها.
يقودنا الأمر إلى ما يعرفه المسرحيون بالخطأ التراجيدي؛ حين يسقط البطل ويقوم، لحظة التحول هي التي تجعله بطلاً، وتعاطفنا معه ومساندتنا له هما ما يجعلان المسرح حياة؛ فما بالنا بالحياة؟ لنحاول علمًا وصناعة وزراعة وسياسة.. ولندعم كل تجربة تطور نفسها.. هنا يكون النصر.
بالمناسبة كُشِف عن تجسس “ميليتا” في العام 1992 على يد الضابط السابق في كي جي بي “فاسيلي ميتروخين” وأعلنت بريطانيا أنها عرفت بالأمر قبلها بعشرات السنوات لكنها لم تُعلن حتى لا يكون للمخابرات السوفييتة التفوق عليها، في وقت تحتاج فيه إلى الثقة بالنفس.