أثارت تصريحات وزير الإعلام الكويتي الأسبق، سامي النصف، مساء أمس، موجة غضب واسعة بين عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية هجومه الحاد على الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل.
وخلال حلقة من برنامج “فصل المقال” على قناة “العربية”، وصف النصفُ هيكلَ بأنه “أحد أكبر مضللي العقل العربي”، معتبرًا أن ما روج له أفضى إلى نتائج وصفها بالكارثية. كما انتقد ما رآه تناقضًا بين دعوة هيكل إلى الاشتراكية وبين كونه -على حد وصفه- من كبار الرأسماليين.
وردًا على تصريحات الوزير الكويتي، قال الكاتب الصحفي والإعلامي حسين عبد الغني لـ”القصة”، إن حديث سامي النصف ليس سوى جزء من “أوركسترا” عربي تمت “صهينته وأسرلته” وضمه تحت الجناح الإبراهيمي.
وأوضح أنه لم يكن من المفاجئ أن يتزامن حديث النصف مع تصريحات لصحفي وإعلامي مصري معروف، ادعى فيها أن جمال عبد الناصر لم يكن زعيمًا جامعًا للعرب، وأنه فرّق بين الدول العربية ولم يصنع وحدة بينها.
وأضاف عبد الغني أن هذه الأوركسترا تشكلت نتيجة الاختراق الذي حدث داخل النخبة العربية منذ أكثر من 50 عامًا بالتزامن مع اتفاقية كامب ديفيد، وازدادت حدته بعد انضمام دول خليجية غنية، قادرة على اجتذاب النخب، إلى “اتفاقات أبراهام”.
وأشار عبد الغني إلى أنه أصبحنا نرى، في الحرب الأخيرة على إيران، مصريين يدعون إلى توريط بلدهم في حرب معها، كما رأينا أشخاصًا في العالم العربي يتحدثون بلسان المصالح الإسرائيلية والأمريكية والخليجية الإبراهيمية، لا بلسان مصالح شعوبهم وبلدانهم أو مصالح الأمة العربية ككل.
وفيما يتعلق بأسباب استهداف “النصف وباقي الأوركسترا” لجمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل تحديدًا وهما، بحسب وصف عبد الغني، أهم زعيم سياسي عرفته الأمة منذ صلاح الدين، وأهم مفكر استراتيجي عرفته في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، يرى الإعلامي المعروف أن ذلك بدأ كانتقام جماعي من هذه الأوركسترا ومَن يمولها، ردًا على ظاهرة “إعادة الاعتبار” لناصر وهيكل بعد السابع من أكتوبر “طوفان الأقصى”.
فقد أُعيد، بكثافة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تداول فيديوهات للرئيس عبد الناصر وللكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل يتحدثان فيها عن طبيعة الصراع مع إسرائيل، وكيف أنها مجرد أداة للإمبريالية الأمريكية.
وأضاف أن الناس استعادوا مقابلات هيكل بوصفها توقعات مذهلة تتحقق بعد وفاته بسنوات، حتى يبدو وكأنه يتحدث عن وضعنا الحالي.
هذه الصحوة وإعادة الاعتبار خاصة لدى الأجيال الجديدة التي لم تعايش عبد الناصر وهيكل ومشروعهما القومي التحرري الذي يسعى لنظام إقليمي عربي قائم على الأمن القومي والاستقلال السياسي والاقتصادي عن الغرب— أقضّت مضاجع أعدائهما معًا.
وأضاف عبد الغني أن الصراع الحالي يتكون من شقين؛ الأول يتعلق بمحاولة التأثير على المستقبل،
فما يحدث ليس صراعًا على الماضي أو التاريخ، بل صراعٌ على المستقبل. وأوضح أن “طوفان الأقصى” والحرب الأمريكية على إيران أثبتا أن الولايات المتحدة، بكل قواعدها العسكرية المنتشرة كالفطر وما نهبته من دول الخليج لبناء تلك القواعد أو لشراء أسلحة لا تُستخدم، لم يحمها كل ذلك من الهجمات الإيرانية.
وأكمل عبد الغني أن الوضع الحالي ولّد قناعة لدى الشعوب في منطقة الخليج بضرورة العودة إلى فكرة “الأمن القومي العربي”، والتي لم تُترجم عمليًا إلا على يد جمال عبد الناصر كقائد سياسي لهذا المشروع، وعلى يد هيكل الذي صاغ أفكاره.
وأكد أن نظرية الأمن القومي العربي لم تُعرف إلا بعد وجود عبد الناصر وصياغة هيكل لأفكار مصر ما بعد عام 1952، فقبل ذلك كانت معظم الدول العربية محتلة، وكانت مصر شبه محتلة حتى جلاء القوات البريطانية عام 1954.
وأضاف أن عبد الناصر تبنى هذه الاستراتيجية نتيجة لدراسته العلوم الاستراتيجية وللخبرة التي اكتسبها من حرب فلسطين، والتي أكدت أنه إذا أراد العرب حماية استقلالهم الحديث من الاستعمار القديم، فعليم أن يتوحدوا ويدركوا أن أمنهم واحد وعدوهم واحد.
وأشار إلى أنه لولا إجبار ناصر لبريطانيا وفرنسا على الخروج من المنطقة والانسحاب من شرق السويس عام 1968، لما استقلت بعض دول الخليج الموجودة اليوم.
وأكد عبد الغني في تصريحاته أن جمال عبد الناصر هو من وقف في الأمم المتحدة بكل ثقل مصر -التي كانت تُعد حينها أهم دولة في العالم الثالث- مع استقلال الكويت ضد مطالبات العراق بضمها باعتبارها جزءًا من أراضيه. وأوضح أن “النصف” تناسى خلال حديثه ما حدث بين عامي 1961 و1963، عندما كان عبد الكريم قاسم يخطط لغزو الكويت، فمنعه جمال عبد الناصر، وبدلاً من استدعاء الاستعمار البريطاني لحماية الكويت، أرسل ناصر قوات عربية حالت دون الغزو.
والدليل على ذلك أنه برحيل عبد الناصر واختفاء نظام الأمن الجماعي العربي خاصة بعد صلح السادات المنفرد في كامب ديفيد، غزا صدام حسين الكويت، لغياب القائد ونظام الحماية الجماعية الذي كان يمكن أن يثنيه عن ذلك.
وأشار عبد الغني إلى أن جمال عبد الناصر منع وقوع حرب أهلية في لبنان عام 1958 ضد كميل شمعون، وبعد رحيله ومجيء السادات، اندلعت الحرب الأهلية عام 1975 لأن مصر، الدولة المركزية وحامية النظام العربي، كانت قد خرجت منه ومن الصراع مع إسرائيل، وكان عبد الناصر قد انتقل إلى جوار ربه.
أما الشق الثاني من كلام النصف، فهو إثارة ردود فعل غاضبة تزرع النعرة الشعوبية وتفرق بين الشعوب العربية، لا سيما الشقيقين المصري والكويتي، مضيفًا أنهم يسعون إلى محو هذه العلاقة التاريخية الوثيقة.
وأوضح عبد الغني أن مصر أرسلت إلى الكويت أعظم مفكريها، أمثال: السنهوري باشا الذي صاغ الدستور، وأحمد كمال أبو المجد، وإسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد زكريا، وأحمد بهاء الدين، ومحمد السيد سليم، وعمرو محيي الدين، وفي الفن زكي طليمات وأحمد عبد الحليم. هؤلاء هم من ساهموا في بناء المدارس والمسارح والجامعات، مؤكدًا أن الشعبين المصري والكويتي جزء لا يتجزأ من بعضهما، إلى جانب مساهمة المعلمين والأساتذة والقانونيين والمهندسين والأطباء المصريين في نهضة الكويت الحديثة.
وأشار إلى أن سامي النصف ينتمي إلى الفئة التي تريد التفرقة بين الشعبين، مثل الصحفي الكويتي الذي وصف مصر سابقًا بـ “بلد الكلاب الضالة”؛
فهؤلاء يحاولون إثارة الفتنة بين مصر والكويت رغم وثاقة العلاقات بينهما، لكنهم لن ينجحوا، قائلاً: “هو يريد إثارة ‘الشعوبية’ وإشعال الصراع بين الشعوب العربية”.
وأكد عبد الغني أن الأمر أكبر من شخص “النصف”، ولا داعي للتعليق عليه لخفة وزنه السياسسي والفكري، ولأنه لا يعبر عن الاتجاه العام للشعب الكويتي، بل هو جزء من نخبة معزولة لا تتمتع بأي شعبية، شأنه شأن نظرائه من أنصار التطبيع وطابور إسرائيل في باقي الدول العربية. وأوضح أنه اختار الرد على السياق لا على الشخص، تجنبًا للسقوط في فخ إثارة الفتنة مع مصر. مشيرًا إلى أن الكويت الحقيقية التي نعرفها هي وطن الأسماء العظيمة؛ مثل أحمد الخطيب، وجاسم القطامي، وسعاد الصباح، وعبد الله النيباري، وصقر الرشود، وهي أيضًا البلد الذي استقبل الكثير من القامات المصرية العظيمة.
كما دعا المصريين إلى عدم الوقوع في هذا الفخ أو إثارة الفتن بين الشعبين عبر التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن ما قدمته الشعوب العربية لبعضها كان واجبًا؛ فالكويت ساندت مصر بعد هزيمة 1967 وفي حرب 1973. وأشار إلى أن ما يحدث ليس إلا محاولة لحسم معارك مستقبلية، غرضها الإبقاء على الحماية والقواعد الأمريكية، ورفض وجود نظام أمن جماعي عربي، وإلحاق الكويت بالتطبيع الإبراهيمي والتجرؤ على موقف الشعب الكويتي العظيم الرافض للتطبيع، مضيفًا أن المنابر التي يتحدثون عبرها معروفة بعدائها لعبد الناصر وهيكل ولحركة التحرر العربي.
وقال عبد الغني: “لا يحتاج ناصر لشهادة من ‘نصف’ سياسي، فجنازته المهيبة تشهد له؛ وحين نقول إن 10 ملايين مصري خرجوا في جنازته، لا ننسى أن أكثر من 90 مليون عربي خرجوا كذلك، لتكون أكبر جنازة في التاريخ الحديث، لذا لن ينقصه هجوم ‘النصف’.”
وأضاف أن كل ما يريده هؤلاء هو إبقاء الحماية والقواعد الأمريكية، بل تحويلها إلى حماية إسرائيلية.
وأكد أن معظم النخبة غالبية الشعب الكويتي تجاوزوا أزمة الخبرة المريرة لغزو العراق، بينما لا يزال البعض من النخبة “مستلقيًا على شيزلونج” الطبيب النفسي، وفق تعبيره، محاولاً قيادة الخليج نحو الخضوع المباشر للحماية الإسرائيلية في مرحلة مقبلة تُخفف فيها أمريكا وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وتوكل إلى إسرائيل مهمة صيانة هيمنتها على المنطقة.
من جانبه، علّق الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، في تصريح لموقع “القصة”، على تصريحات سامي النصف قائلاً إنه “ما يسواش”، مؤكدًا أن هذا السلوك ليس جديدًا عليه، ومكتفيًا بالإشارة إلى ردود أفعال الشعب المصري الغاضبة والتي وصفها بـ “غير العادية” تجاه تلك التصريحات.