لسنوات طويلة، ظلت كلية الطب واحدة من أكثر الكليات التي تحظى بمكانة خاصة في المجتمع المصري، ليس فقط باعتبارها بوابة إلى واحدة من أقدم وأهم المهن، وإنما أيضًا بسبب ارتفاع مجاميع القبول بها، ما جعل الوصول إليها مرتبطًا في نظر كثير من الأسر بالتفوق والتميز.
ومع ترسخ ثقافة «كليات القمة» التي تتصدرها كلية الطب، اتجه بعض رجال الأعمال إلى إنشاء جامعات خاصة تتيح دراسة الطب خارج منظومة التنسيق الحكومي التقليدية، فيما لجأ بعض الطلاب إلى الدراسة في جامعات خارج مصر، بينها جامعات في بيلاروسيا، تقبل طلابًا بمجاميع أقل بكثير من نظيرتها في مصر.
هذا التفاوت في شروط القبول يفتح سؤالًا حول المعايير التي ينبغي أن تحكم دخول طالب إلى كلية الطب، خصوصًا أن الخريج في النهاية قد يمارس المهنة ويتعامل مع حياة المرضى وصحتهم.
أرقام تكشف التوسع
وفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ إجمالي عدد كليات الطب البشري في مصر 59 كلية، موزعة بين القطاعات الحكومية والخاصة والأهلية والأجنبية.
وتضم مصر نحو 12 كلية طب بشري خاصة معتمدة، إلى جانب كليات الطب في الجامعات الأهلية التي يبلغ عددها نحو 15 كلية.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى زيادة كبيرة في أعداد طلاب الطب البشري في مصر، حكوميًا وخاصًا، إذ ارتفع العدد من 62.2 ألف طالب عام 2015 إلى 162.3 ألف طالب عام 2025.
وبالنسبة إلى الجامعات الخاصة، ارتفع عدد طلاب الطب فيها من نحو 4.6 ألف طالب عام 2015 إلى نحو 50.2 ألف طالب عام 2025، أي أكثر من عشرة أضعاف خلال هذه الفترة.
وتستوعب الجامعات الخاصة حاليًا أكثر من 30% من إجمالي طلاب الطب في مصر، بينما حددت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال منصة «ادرس في مصر»، الحد الأدنى التنسيقي للقبول بكليات الطب الخاصة للطلاب الوافدين بنحو 58% إلى 60%، في حين يدور الحد الأدنى للمصريين، وفق المؤشرات الرسمية الأخيرة، حول 79%.
لكن الدراسة الطبية لا تقتصر على الجامعات المصرية، إذ يتجه بعض الطلاب إلى الخارج، ومن بين الوجهات التي تستقبل طلابًا مصريين بيلاروسيا.
وبحسب قائمة المجلس الأعلى للجامعات المصرية للجامعات المعتمدة خارج مصر، تضم بيلاروسيا أربع جامعات طبية حكومية أساسية، هي جامعة بيلاروسيا الطبية الحكومية في مينسك، وجامعة فيتبسك الطبية الحكومية، وجامعة غوميل الطبية الحكومية، وجامعة غرودنو الطبية الحكومية.
وتقبل هذه الجامعات الطلاب في مرحلة القبول المبدئي بمجموع يبدأ من 50% فأكثر، وفق الشروط المعلنة، وهو ما يطرح فارقًا واضحًا بين حدود القبول في مصر وبعض الجامعات التي يدرس فيها الطلاب المصريون الطب خارج البلاد.
النقابة تحذر من الفجوة
«طالب الطب يجب أن تتوافر لديه معايير خاصة للقبول، في مقدمتها القدرة على المثابرة والمذاكرة والتحصيل»، هكذا بدأ أمين عام نقابة أطباء مصر، وأمين عام اتحاد نقابات المهن الطبية، الدكتور أبو بكر القاضي، حديثه مع «القصة».
وأضاف أن درجات الثانوية العامة كانت تستخدم كمؤشر أولي على هذه القدرة، وليس بوصفها معيارًا للذكاء وحده، وإنما للدلالة على الاستعداد العلمي والقدرة على الاستمرار في المسار الطبي.
وأوضح أن انخفاض مجاميع القبول في بعض الحالات قد لا يعكس فقط مستوى الذكاء، وإنما قد يرتبط أيضًا بغياب القدرة على المثابرة والدراسة المنتظمة، وهو ما قد ينعكس على نسب الرسوب في السنوات الأولى بكليات الطب، معتبرًا أن هذه الظاهرة تمثل مؤشرًا خطرًا على جودة التعليم الطبي وعلى سلامة المرضى وسمعة المهنة.
وأشار القاضي إلى أن بعض الدول بدأت تضع شروطًا على خريجي كليات الطب المصرية عند الرغبة في الالتحاق بها أو الاعتراف بها، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى الإضرار بسمعة الطب المصري وسلامة المرضى.
وأضاف أن النقابة تطالب بوجود معايير واضحة وعادلة للقبول، وأن الجامعات الدولية ينبغي أن تطبق عليها، على الأقل، القواعد نفسها المطبقة على كليات الطب الخاصة المصرية، خاصة أن الخريج سيعمل في النهاية داخل مصر.
وأوضح أن النقابة، باعتبارها جهة مهنية، ترصد الظواهر التي قد تمثل خطرًا على المهنة وعلى المرضى، وقد خاطبت وزير التعليم العالي رسميًا بهذا الشأن، مطالبة بتطبيق نفس معايير القبول المقررة على الكليات الخاصة المصرية على جميع الكليات المماثلة.
ولفت إلى أن النقابة لم تتلق استجابة حتى الآن، رغم أن هذه المطالب تمس مصلحة المنظومة الصحية بالكامل، من مقدم الخدمة إلى وزارة الصحة والحكومة والقيادة السياسية، في إطار الحفاظ على صحة المواطن.
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة الالتزام بمعايير قبول صارمة في كليات الطب، باعتبار أن دراسة الطب تتطلب قدرة حقيقية على المثابرة والتحصيل العلمي المستمر، مطالبًا وزارة التعليم العالي بتطبيق نفس معايير القبول المفروضة على الكليات الخاصة المصرية على الكليات الدولية والمماثلة، حفاظًا على جودة التعليم الطبي وسلامة المرضى.
هل المجموع وحده يكفي؟
ومن وجهة نظر تعليمية، يرى أستاذ التربية والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، الدكتور كمال مغيث، في حديثه مع «القصة»، أن مهنة الطب من المهن المهمة والخطيرة لعدة أسباب علمية وإنسانية، ولذلك يجب أن تراعي كليات الطب معايير قبول صارمة.
وأشار إلى أن الطب قائم على العديد من العلوم الدقيقة، مثل الأحياء والكيمياء وغيرها، ما يجعله علمًا يتطلب مستوى علميًا عاليًا من الممارسين.
وأضاف أن المهنة تتعامل مع الإنسان بكامل جوانبه، من الجسم والقلب والجهاز الهضمي إلى المخ وغيرها، ما يزيد من مسؤولية الطبيب وأثر قراراته على حياة الآخرين، لأن الطبيب يتعامل مع حياة وصحة البشر، وأخطاؤه قد تكون لها عواقب وخيمة، وهو ما يفرض ضرورة توافر كفاءة علمية ومهنية عالية.
ولفت مغيث إلى أن المتقدمين لكلية الطب يجب أن يكونوا من المتفوقين دراسيًا، وبالتحديد من أوائل الثانوية العامة في قسم العلوم، موضحًا أن هذا التصور ساد في الوعي والنظام التعليمي المصري على مر العصور، منذ عصر محمد علي وحتى وقتنا هذا.
وإلى جانب معيار التفوق، يرى إمكانية إضافة شروط تأهيلية عملية، مثل اختبارات قبول إضافية أو مواد تأهيلية أو اختبارات لتقييم المهارات، لكن الأساس، من وجهة نظره، يظل التفوق في شهادة الثانوية العامة.
وبينما تكشف الأرقام عن توسع كبير في أعداد كليات الطب والطلاب الملتحقين بها، تظل شروط القبول محل نقاش، خصوصًا مع اختلافها بين الجامعات المصرية وبعض الوجهات التعليمية خارج البلاد.
فهل تدفع هذه الفجوة وزارة التعليم العالي إلى إعادة النظر في بعض شروط القبول بكليات الطب الخاصة والدولية، ووضع معايير أكثر اتساقًا بين الطلاب الذين سيحملون في النهاية الشهادة نفسها ويمارسون المهنة ذاتها؟