في تطور عسكري وميداني بالغ الخطورة، تجاوزت الهجمات الصاروخية وبواسطة الطائرات المسيرة التي تستهدف الأراضي السعودية حدود التهديدات الموضعية، لتمتد تداعياتها المباشرة وتلقي بظلالها الثقيلة على قطاع الطيران الدولي وسلامة حركة الملاحة الجوية المدنية في المنطقة.
وقد أثارت الهجمات الأخيرة التي طالت منشآت حيوية ومطارات رئيسية وفي مقدمتها مطار الرياض موجة واسعة من القلق الإقليمي والدولي، لا سيما بعد تسجيل إصابات بين مدنيين مقيمين، بينهم مواطنون مصريون، واتخاذ شركات الطيران العالمية إجراءات طارئة شملت تعليق بعض الرحلات، أو تعديل مسارات الخطوط الجوية، وفرض قيود صارمة على إدارة المجال الجوي المنخفض.
وتضع هذه التطورات منظومة أمن الطيران المدني أمام اختبار تاريخي غير مسبوق، محولة المطارات من مجرد بوابات عبور تجارية واقتصادية إلى أهداف استراتيجية تتطلب إعادة هندسة شاملة لعقيدتها الدفاعية والتشغيلية في مواجهة التهديدات الهجينة والحديثة.
إجراءات طارئة وتقييم مستمر للمخاطر في الأجواء والمطارات
في ظل تصاعد التهديدات، فرضت الهيئات المعنية وشركات الطيران حزمة من التدابير الاستثنائية لضمان سلامة الركاب وطواقم الطائرات، حيث باتت عمليات تقييم المخاطر (Risk Assessment) تجرى بصفة مستمرة قبل إقلاع كل رحلة، مع تعديل خطط الطيران عبر التحويل الفوري إلى مطارات بديلة، أو تعديل الارتفاعات ومسارات العبور لتجنب الطيران فوق مناطق التهديد المحتملة.
أما على مستوى البنية التحتية الأرضية، فقد تم تفعيل خطط طوارئ المطارات المعتمدة دولياً، والتي تتضمن إخلاء ساحات الطائرات المكشوفة فوراً، وتوجيه المسافرين والعاملين داخل صالات السفر إلى مناطق الحماية الهيكلية (Blast-resistant zones)، بعيداً عن الواجهات الزجاجية الكبرى التي تمثل مصدر الخطر الأكبر أثناء دوي الانفجارات أو تساقط الشظايا عند إطلاق الإنذار المبكر.
أمن المطارات في مواجهة مسيرات القرن الحادي والعشرين
في قراءة فنية وهندسية متخصصة لطبيعة هذه التهديدات، قال هشام جمال عبد الرحيم، خبير سلامة المطارات والطيران لـ “القصة”، إن المطارات الدولية لم تعد مجرد بوابات عبور جغرافية، بل تحولت إلى ركائز استراتيجية للأمن القومي والاقتصاد العالمي، وهو ما جعلها للأسف هدفاً مباشراً للتهديدات الهجينة والحديثة، وتحديداً الطائرات المسيرة (Drones) والهجمات الصاروخية.
وأوضح عبد الرحيم أن مفهوم “أمن المطارات” يشهد حالياً نقطة تحول جذري تفرض إعادة صياغة العقيدة التشغيلية للمنافذ الجوية بالكامل؛ مؤكداً أن بقاء المطار مفتوحاً أو استئنافه للحركة سريعا بعد الهجوم يعكس كفاءة عالية في إدارة الأزمات، لكنه فنياً يضعنا أمام تحدٍ مستمر يتعلق بـ “إدارة المخاطر الديناميكية”.
ولفت خبير سلامة الطيران إلى أن التهديدات لم تعد تأتي من داخل أسوار المطار بالطرق التقليدية كالتهريب أو الاختراقات الأمنية المعتادة، بل أصبحت عابرة للحدود والأسوار من خلال استغلال الثغرات في المجال الجوي المنخفض.
وفي هذا الصدد، شدد هشام جمال عبد الرحيم على أن آخر التطورات والحلول التشغيلية للمطارات بصفة عامة يجب أن ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية بالغة الأهمية في النقاط التالية:
تبني أنظمة مضادة للمسيرات (C-UAS) كمكون أساسي: إذ لم يعد كافياً الاعتماد على الدفاع الجوي العسكري التقليدي لحماية المدنيين، والمطارات الحديثة باتت تتجه لدمج أنظمة رصد وتشويش متطورة خاصة بالطيران المدني قادرة على اصطياد المسيّرات الصغيرة أو شل حركتها في المحيط الحيوي للمطار دون التأثير على رادارات الطائرات التجارية.
التحول نحو “التكامل اللحظي” مع الدفاع العسكري: لضمان أعلى مستويات السلامة وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، لا بد من إسقاط الحواجز البيروقراطية بين إدارة الطيران المدني والمنظومات العسكرية، مشيراً إلى أن المستقبل يتجه نحو غرف عمليات مشتركة ومؤتمتة بالكامل، تتخذ قرار تعليق الحركة أو تحويل المسارات في أجزاء من الثانية بناءً على إنذار مبكر مشترك.
مرونة البنية التحتية والصلابة الهيكلية: حيث يفرض التطور التشغيلي على المطارات تحديث خطط الطوارئ الأرضية، بحيث تشمل تصميم صالات ركاب قادرة على امتصاص الصدمات (Blast-resistant) وتوفير مسارات إخلاء سريعة للمسافرين بعيداً عن الواجهات الزجاجية التي تشكل الخطر الأكبر أثناء تساقط الشظايا.