ناقش أحمد الطنطاوي، في حلقة جديدة من برنامجه “الطريق”، طبيعة العلاقة بين رئيس الجمهورية والحكومة، وحدود اختصاص كل منهما وفقا للدستور، متناولا ما وصفه بالفجوة بين الدور الدستوري للحكومة وما يجري تطبيقه في الواقع، وانعكاس ذلك على توزيع المسؤولية عن القرارات والنتائج.
وتناول الطنطاوي ما وصفه بحيلة سياسية تتمثل في توجيه النقد إلى الحكومة وأعضائها، مع تجنب تحميل رئيس الجمهورية المسؤولية، معتبرا أن ذلك يسمح باسترضاء المواطنين دون توجيه النقد إلى السلطة التي تملك القرار وأدوات الثواب والعقاب.
كما ربط بين غياب الصحافة والإعلام الحر وبين حرمان المواطنين من المعرفة الكاملة بمسؤولية مؤسسات الدولة عن القرارات والسياسات. مشيرا إلى أهمية إتاحة الوثائق والمضابط والمعلومات للرأي العام. وانتقد في السياق نفسه ما وصفه بظهور “نوعية” من المعارضين الذين يضعون حدودا لمساحة انتقادهم للسلطة.
وانتقد الطنطاوي نمطا في إدارة الدولة يقوم على تدخل رئيس الجمهورية بصورة مباشرة في تفاصيل ملفات وتخصصات مختلفة. مؤكدا أن دوره لا يفترض أن يكون الخبير الأول في كل مجال، وإنما مناقشة البدائل والاستماع إلى المتخصصين واختيار السياسات ومتابعة تنفيذها وفق برامج ومؤشرات أداء واضحة.
كما تحدث عن الفرق بين وضع الاستراتيجيات والسياسات وبين الإدارة التنفيذية والتشغيلية. معتبرا أن الخلط بين هذه المستويات يوسع الفجوة بين الوعود والنتائج، ويؤثر في الوقت نفسه على قدرة المسؤولين المتخصصين على ممارسة اختصاصاتهم باستقلالية.
وتطرق الطنطاوي إلى الاختصاصات الدستورية للحكومة. موضحا أنها تمثل الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة. ومسؤولة عن اقتراح القوانين والسياسات والخطط والموازنات، ثم تنفيذها والإشراف عليها ومتابعتها بعد إقرارها.
وقارن بين طبيعة النظام السياسي المصري والنظامين الرئاسي الأمريكي والبرلماني البريطاني. موضحا أن النظام المصري يقع بين النموذجين، مع اتساع صلاحيات رئيس الجمهورية، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني إن الحكومة تكون سكرتارية.
كما ناقش علاقة الحكومة بالبرلمان. مؤكدا أن البرلمان يملك دستوريا مناقشة برنامج الحكومة وتعديله أو رفضه وممارسة دوره الرقابي عليها. منتقدا ما وصفه بالتغول على اختصاصات البرلمان، وتحول الحكومة عمليا إلى جهة تنفيذية تتلقى التوجيهات بدلا من ممارسة اختصاصاتها الدستورية كاملة.
واستعاد الطنطاوي تجربته البرلمانية عام 2016، موضحا أسباب رفضه منح الثقة للحكومة انذاك، ومن بينها عدم كفاية التفاصيل المتعلقة ببرنامجها، وغياب معايير واضحة لقياس الأداء، إلى جانب تحفظاته على طريقة طرح بعض المشروعات الكبرى وغياب المعلومات ودراسات الجدوى التي طلبها النواب.
وأكد أن البرنامج الحكومي لا ينبغي أن يقتصر على وعود وأماني، وإنما يجب أن يحدد ما ستفعله الحكومة، وتكلفته، ومصادر تمويله، والجدول الزمني لتنفيذه، وكيفية قياس الأداء ومحاسبة المسؤولين عن النتائج.
وتناول الطنطاوي مسؤولية رئيس الجمهورية عن نتائج السياسات والقرارات التي يشارك بصورة مباشرة في توجيهها، رافضا الفصل بين مسؤولية الرئيس عن النجاح وتحميل الحكومة وحدها مسؤولية الفشل، وقال إن من يختار إدارة الدولة بطريقة تقوم على السيطرة المباشرة على الملفات “اختار إنه يتحمل النصيب الأكبر والأعظم من المسؤولية.”
وفي ختام الحلقة، أكد الطنطاوي أن تمكين الحكومة من ممارسة اختصاصاتها الدستورية كاملة كان جزءا أساسيا من رؤيته السياسية والإصلاحية التي طرحها في مناسبات سابقة. مشيرا إلى أنه قدم هذه الرؤية خلال طرح مبادرة “الطريق الثالث” في البرلمان عام 2019، وكذلك خلال محاولته الترشح لرئاسة الجمهورية.
وشدد على أن هذه الرؤية تقوم على إصلاح طريقة إدارة الدولة، واختيار المسؤولين على أساس الكفاءة، وتمكين مؤسسات الدولة من ممارسة اختصاصاتها، بدلا من تركيز القرارات في يد شخص واحد وتحميل الحكومة تبعات نتائج سياسات لا تملك، في الواقع، كامل سلطة اتخاذها.